البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠١ - ثم دخلت سنة ست و خمسين و ستمائة
بغداد في غاية القلة و نهاية الذلة، لا يبلغون عشرة آلاف فارس، و هم و بقية الجيش، كلهم قد صرفوا عن إقطاعاتهم حتى استعطى كثير منهم في الأسواق و أبواب المساجد، و أنشد فيهم الشعراء قصائد يرثون لهم و يحزنون على الإسلام و أهله، و ذلك كله عن آراء الوزير ابن العلقميّ الرافضيّ، و ذلك أنه لما كان في السنة الماضية كان بين أهل السنة و الرافضة حرب عظيمة نهبت فيها الكرخ و محلة الرافضة حتى نهبت دور قرابات الوزير، فاشتد حنقه على ذلك، فكان هذا مما أهاجه على أن دبر على الإسلام و أهله ما وقع من الأمر الفظيع الّذي لم يؤرخ أبشع منه منذ بنيت بغداد، و إلى هذه الأوقات، و لهذا كان أول من برز إلى التتار هو، فخرج بأهله و أصحابه و خدمه و حشمه، فاجتمع بالسلطان هلاكوخان لعنه اللَّه، ثم عاد فأشار على الخليفة بالخروج إليه و المثول بين يديه لتقع المصالحة على أن يكون نصف خراج العراق لهم و نصفه للخليفة، فاحتاج الخليفة إلى أن خرج في سبعمائة راكب من القضاة و الفقهاء و الصوفية و رءوس الأمراء و الدولة و الأعيان، فلما اقتربوا من منزل السلطان هولاكوخان حجبوا عن الخليفة إلا سبعة عشر نفسا، فخلص الخليفة بهؤلاء المذكورين، و أنزل الباقون عن مراكبهم و نهبت و قتلوا عن آخرهم، و أحضر الخليفة بين يدي هلاكو فسأله عن أشياء كثيرة فيقال إنه اضطرب كلام الخليفة من هول ما رأى من الإهانة و الجبروت، ثم عاد إلى بغداد و في صحبته خوجه نصير الدين الطوسي، و الوزير ابن العلقميّ و غيرهما، و الخليفة تحت الحوطة و المصادرة، فأحضر من دار الخلافة شيئا كثيرا من الذهب و الحلي و المصاغ و الجواهر و الأشياء النفيسة، و قد أشار أولئك الملأ من الرافضة و غيرهم من المنافقين على هولاكو أن لا يصالح الخليفة، و قال الوزير متى وقع الصلح على المناصفة لا يستمر هذا إلا عاما أو عامين ثم يعود الأمر إلى ما كان عليه قبل ذلك، و حسنوا له قتل الخليفة، فلما عاد الخليفة إلى السلطان هولاكو أمر بقتله، و يقال إن الّذي أشار بقتله الوزير ابن العلقميّ، و المولى نصير الدين الطوسي، و كان النصير عند هولاكو قد استصحبه في خدمته لما فتح قلاع الألموت، و انتزعها من أيدي الإسماعيلية، و كان النصير وزيرا لشمس الشموس و لأبيه من قبله علاء الدين بن جلال الدين، و كانوا ينسبون إلى نزار بن المستنصر العبيدي، و انتخب هولاكو النصير ليكون في خدمته كالوزير المشير، فلما قدم هولاكو و تهيب من قتل الخليفة هون عليه الوزير ذلك فقتلوه رفسا، و هو في جوالق لئلا يقع على الأرض شيء من دمه، خافوا أن يؤخذ بثأره فيما قيل لهم، و قيل بل خنق، و يقال بل أغرق فاللَّه أعلم، فباءوا بإثمه و إثم من كان معه من سادات العلماء و القضاة و الأكابر و الرؤساء و الأمراء و أولى الحل و العقد ببلاده- و ستأتي ترجمة الخليفة في الوفيات- و مالوا على البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال و النساء و الولدان و المشايخ و الكهول و الشبان و دخل كثير من الناس في الآبار و أماكن الحشوش، و قنى الوسخ، و كمنوا كذلك أياما لا يظهرون،