البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩٠ - ثم دخلت سنة تسع و سبعين و ستمائة
الملك السعيد بن الملك الظاهر
بركة خان ناصر الدين محمد بن بركة خان أبو المعالي ابن السلطان الملك الظاهر. ركن الدين بيبرس البندقداري، بايع له أبوه الأمراء في حياته، فلما توفى أبوه بويع له بالملك و له تسع عشرة سنة، و مشيت له الأمور في أول الأمر على السعادة، ثم إنه غلبت عليه الخاصكية فجعل يلعب معهم في الميدان الأخضر فيما قيل أول هوى، فربما جاءت النوبة عليه فينزل لهم، فأنكرت الأمراء الكبار ذلك و أنفوا أن يكون ملكهم يلعب مع الغلمان، و يجعل نفسه كأحدهم، فراسلوه في ذلك ليرجع عما هو عليه فلم يقبل، فخلعوه كما ذكرنا، و ولوا السلطان الملك المنصور قلاوون في أواخر رجب كما تقدم. ثم كانت وفاته في هذه السنة بالكرك في يوم الجمعة الحادي عشر من ذي القعدة، يقال إنه سم فاللَّه أعلم، و قد دفن أولا عند قبر جعفر و أصحابه الذين قتلوا بموته، ثم نقل إلى دمشق فدفن في تربة أبيه سنة ثمانين و ستمائة، و تملك الكرك بعده أخوه نجم الدين خضر و تلقب بالملك المسعود، فانتزعها المنصور من يده كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى.
ثم دخلت سنة تسع و سبعين و ستمائة
كان أولها يوم الخميس ثالث أيار، و الخليفة الحاكم بأمر اللَّه و ملك مصر الملك المنصور قلاوون الصالحي، و بعض بلاد الشام أيضا، و أما دمشق و أعمالها فقد ملكها سنقر الأشقر، و صاحب الكرك الملك المسعود بن الظاهر، و صاحب حماة الملك المنصور ناصر الدين محمد بن الملك المظفر تقى الدين محمود، و العراق و بلاد الجزيرة و خراسان و الموصل و إربل و أذربيجان و بلاد بكر و خلاط و ما والاها و غير ذلك من البلاد بأيدي التتار، و كذلك بلاد الروم في أيديهم أيضا، و لكن فيها غياث الدين بن ركن الدين، و لا حكم له سوى الاسم، و صاحب اليمن الملك المظفر شمس الدين يوسف بن عمر، و صاحب الحرم الشريف نجم الدين بن أبى نمى الحسنى، و صاحب المدينة عز الدين جماز بن شيحه الحسيني.
ففي مستهل السنة المذكورة ركب السلطان الملك الكامل سنقر الأشقر من القلعة إلى الميدان و بين يديه الأمراء و مقدمو الحلقة الفاشية، و عليهم الخلع و القضاة و الأعيان ركاب معه، فسير في الميدان ساعة ثم رجع إلى القلعة، و جاء إلى خدمته الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا ملك العرب، فقبل الأرض بين يديه، و جلس إلى جانبه و هو على السماط، و قام له الكامل، و كذلك جاء إلى خدمته ملك الاعراب بالحجاز، و أمر الكامل سنقر أن تضاف البلاد الحلبية إلى ولاية القاضي شمس الدين بن خلكان، و ولاه تدريس الأمينية و انتزعها من ابن سنى الدولة.
و لما بلغ الملك المنصور بالديار المصرية ما كان من أمر سنقر الأشقر بالشام أرسل إليه جيشا كثيفا فهزموا عسكر سنقر الأشقر الّذي كان قد أرسله إلى غزة، و ساقوهم بين أيديهم حتى وصل جيش