البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٤٧ - ثم دخلت سنة ست و تسعين و ستمائة
ثم صعد في هذا اليوم إلى مغارة الدم لزيارتها، و دعا هنالك و تصدق بجملة من المال، و حضر الوزير الخليلي ليلة الأحد ثالث عشر المحرم إلى الجامع بعد العشاء فجلس عند شباك الكاملية و قرأ القراءون بين يديه، و رسم بأن يكمل داخل الجامع بالفرش ففعلوا ذلك، و استمر ذلك نحوا من شهرين ثم عاد إلى ما كان عليه.
و في صبيحة هذا اليوم درس القاضي شمس الدين بن الحريري بالقيمازية عوضا عن ابن النحاس باتفاق بينهم، و حضر عنده جماعة، ثم صلى السلطان الجمعة الأخرى بالمقصورة و معه وزيره ابن الخليلي و هو ضعيف من مرض أصابه، و في سابع عشر المحرم أمر للملك الكامل بن الملك السعيد ابن الصالح إسماعيل بن العادل بطبلخانة و لبس الشربوش، و دخل القلعة و دقت له الكوسات على بابه، ثم خرج السلطان العادل كتبغا بالعساكر من دمشق بكرة الثلاثاء ثانى عشرين المحرم، و خرج بعده الوزير فاجتاز بدار الحديث، و زار الأثر النبوي، و خرج إليه الشيخ زين الدين الفارقيّ و شافهه بتدريس الناصرية، و ترك زين الدين تدريس الشامية البرانية فوليها القاضي كمال الدين بن الشريشى، و ذكر أن الوزير أعطى الشيخ شيئا من حطام الدنيا فقبله، و كذلك أعطى خادم الأثر و هو المعين خطاب. و خرج الأعيان و القضاة مع الوزير لتوديعه. و وقع في هذا اليوم مطر جيد استشفى الناس به و غسل آثار العساكر من الأوساخ و غيرها، و عاد التقى توبة من توديع الوزير و قد فوض إليه نظر الخزانة و عزل عنها شهاب الدين بن النحاس، و درس الشيخ ناصر الدين بالناصرية الجوانية عوضا عن القاضي بدر الدين بن جماعة في يوم الأربعاء آخر يوم من المحرم.
و في هذا اليوم تحدث الناس فيما بينهم بوقوع تخبيط بين العساكر، و خلف و تشويش، فغلق باب القلعة الّذي يلي المدينة، و دخل الصاحب شهاب الدين إليها من ناحية الخوخة، و تهيأ النائب و الأمراء و ركب طائفة من الجيش على باب النصر وقوفا، فلما كان وقت العصر وصل السلطان الملك العادل كتبغا إلى القلعة في خمسة أنفس أو ستة من مماليكه، فدخل القلعة فجاء إليه الأمراء و أحضر ابن جماعة و حسام الدين الحنفي، و جددوا الحلف للأمراء ثانية فحلفوا، و خلع عليهم، و أمر بالاحتياط على نواب الأمير حسام الدين لاجين و حواصله، و أقام العادل بالقلعة هذه الأيام، و كان الخلف الّذي وقع بينهم بوادي فحمة يوم الاثنين التاسع و العشرين من المحرم، و ذلك أن الأمير حسام الدين لاجين كان قد واطأ جماعة من الأمراء في الباطن على العادل، و توثق منهم، و أشار على العادل حين خرجوا من دمشق أن يستصحب معه الخزانة، و ذلك لئلا يبقى بدمشق شيء من المال يتقوى به العادل إن فاتهم و رجع إلى دمشق، و يكون قوة له هو في الطريق على ما عزم عليه من الغدر، فلما كانوا بالمكان المذكور قتل لاجين الأمير سيف الدين بيحاص و بكتوت الأزرق العادليين، و أخذ