البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٤ - ثم دخلت سنة سبع و ستين و ستمائة
و ممن توفى فيها من الأعيان الحافظ أبو إبراهيم إسحاق بن عبد اللَّه
ابن عمر المعروف بابن قاضى اليمن، عن ثمان و ستين سنة، و دفن بالشرف الأعلى، و كان قد تفرد بروايات جيدة و انتفع الناس به. و فيها ولد الشيخ شرف الدين عبد اللَّه بن تيمية أخو الشيخ تقى الدين ابن تيمية، و الخطيب القزويني.
ثم دخلت سنة سبع و ستين و ستمائة
في صفر منها جدد السلطان الظاهر البيعة لولده من بعده الملك السعيد محمد بركة خان، و أحضر الأمراء كلهم و القضاة و الأعيان و أركبه و مشى بين يديه، و كتب له ابن لقمان تقليدا هائلا بالملك من بعد أبيه، و أن يحكم عنه أيضا في حال حياته، ثم ركب السلطان في عساكره في جمادى الاخرة قاصدا الشام، فلما دخل دمشق جاءته رسل من أبغا ملك التتار معهم مكاتبات و مشافهات، فمن جملة المشافهات: أنت مملوك بعت بسيواس فكيف يصلح لك أن تخالف ملوك الأرض؟ و اعلم أنك لو صعدت إلى السماء أو هبطت إلى الأرض ما تخلصت منى فاعمل لنفسك على مصالحة السلطان أبغا. فلم يلتفت إلى ذلك و لا عده شيئا بل أجاب عنه أتم جواب، و قال لرسله: أعلموه أنى من ورائه بالمطالبة و لا أزال حتى أنتزع منه جميع البلاد التي استحوذ عليها من بلاد الخليفة، و سائر أقطار الأرض.
و في جمادى الآخرة رسم السلطان الملك الظاهر بإراقة الخمور و تبطيل المفسدات و الخواطئ بالبلاد كلها، فنهبت الخواطئ و سلبن جميع ما كان معهن حتى يتزوجن، و كتب إلى جميع البلاد بذلك، و أسقط المكوس التي كانت مرتبة على ذلك، و عوض من كان محالا على ذلك بغيرها و للَّه الحمد و المنة. ثم عاد السلطان بعساكره إلى مصر، فلما كان في أثناء الطريق عند خربة اللصوص تعرضت له امرأة فذكرت له أن ولدها دخل مدينة صور، و أن صاحبها الفرنجى غدر به و قتله و أخذ ماله، فركب السلطان و شنّ الغارة على صور فأخذ منها شيئا كثيرا، و قتل خلقا، فأرسل إليه ملكها ما سبب هذا؟ فذكر له غدره و مكره بالتجار ثم قال السلطان لمقدم الجيوش: أوهم الناس أنى مريض و أنى بالمحفة و أحضر الأطباء و استوصف لي منهم ما يصلح لمريض به كذا و كذا، و إذا وصفوا لك فأحضر الأشربة إلى المحفة و أنتم سائرون. ثم ركب السلطان على البريد و ساق مسرعا فكشف أحوال ولده و كيف الأمر بالديار المصرية بعده، ثم عاد مسرعا إلى الجيش فجلس في المحفة و أظهروا عافيته و تباشروا بذلك. و هذه جرأة عظيمة، و إقدام هائل.
و فيها حج السلطان الملك الظاهر و في صحبته الأمير بدر الدين الخزندار، و قاضى القضاة صدر الدين سليمان الحنفي، و فخر الدين بن لقمان، و تاج الدين بن الأثير و نحو من ثلاثمائة مملوك، و أجناد من الخلقة المنصورة، فسار على طريق الكرك و نظر في أحوالها ثم منها إلى المدينة النبويّة، فأحسن إلى أهلها و نظر في أحوالها، ثم منها إلى مكة فتصدق على المجاورين ثم وقف بعرفة و طاف طواف