البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٧ - ثم دخلت سنة ثمان و سبعين و ستمائة
و مسرح غزلان و حانة قهوة* * * و روضة أزهار و مطلع أسعد
و أسرار عرفان و مفتاح حكمة* * * و أنفاس وجدان و فيض تبلد
و جيش لضرغام و خدر لكاعب* * * و ظلمة جيران و نور لمهتدى
تقابلت الأضداد عندي جميعها* * * لمحنة مجهود و منحة مجتدى
و أحكمت تقرير المراتب صورة* * * و معنى و من عين التفرد موردي
فما موطن إلا و لي فيه موقف* * * على قدم قامت بحق التفرد
فلا غرو إن فت الأنام جميعهم* * * و قد علقت بحبل من حبال محمد
عليه صلاة اللَّه تشفع دائما* * * بروح تحيات السلام المردد
ابن العود الرافضيّ
أبو القاسم الحسين بن العود نجيب الدين الأسدي الحلي، شيخ الشيعة و إمامهم و عالمهم في أنفسهم، كانت له فضيلة و مشاركة في علوم كثيرة، و كان حسن المحاضرة و المعاشرة، لطيف النادرة، و كان كثير التعبد بالليل، و له شعر جيد. ولد سنة إحدى و ثمانين و خمسمائة، و توفى في رمضان من هذه السنة عن ست و تسعين سنة، و اللَّه أعلم بأحوال عباده سرائرهم و نياتهم.
ثم دخلت سنة ثمان و سبعين و ستمائة
كان أولها يوم الأحد و الخليفة و السلطان هما المذكوران في التي قبلها، و قد اتفق في هذه السنة أمور عجيبة، و ذلك أنه وقع الخلف بين الممالك كلها، اختلفت التتار فيما بينهم و اقتتلوا فقتل منهم خلق كثير، و اختلفت الفرنج في السواحل و صال بعضهم على بعض و قتل بعضهم بعضا، و كذلك الفرنج الذين في داخل البحور و جزائرها، فاختلفوا و اقتتلوا، و قتلت قبائل الأعراب بعضها في بعض قتالا شديدا، و كذلك وقع الخلف بين العشير من الحوارنة و قامت الحرب بينهم على ساق، و كذلك وقع الخلف بين الأمراء الظاهرية بسبب أن السلطان الملك السعيد بن الظاهر لما بعث الجيش إلى سيس أقام بعده بدمشق و أخذ في اللهو و اللعب و الانبساط مع الخاصكية، و تمكنوا من الأمور، و بعد عنه الأمراء الكبار، فغضبت طائفة منهم و نابذوه و فارقوه و أقاموا بطريق العساكر الذين توجهوا إلى سيس و غيرهم، فرجعت العساكر إليهم فلما اجتمعوا شعثوا قلوبهم على الملك السعيد، و وحشوا خواطر الجيش عليه، و قالوا الملك لا ينبغي له أن يلعب و يلهو، و إنما همة الملوك في العدل و مصالح المسلمين و الذب عن حوزتهم، كما كان أبوه. و صدقوا فيما قالوا، فان لعب الملوك و الأمراء و غيرهم دليل على زوال النعم و خراب الملك، و فساد الرعية. ثم راسله الجيش في إبعاد الخاصكية عنه و دنو ذوى الأحلام و النهى إليه كما كان أبوه، فلم يفعل، و ذلك أنه كان لا يمكنه ذلك لقوة شوكة الخاصكية