البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٣ - خلافة المستنصر باللَّه العباسي
و رفده، و قد ذكرنا ما أعتمده في أول ولايته من إطلاق الأموال الديوانية و رد المظالم و إسقاط المكوس، و تخفيف الخراج عن الناس، و أداء الديون عمن عجز عن أدائها، و الإحسان إلى العلماء و الفقراء و تولية ذوى الديانة و الأمانة، و قد كان كتب كتابا لولاة الرعية فيه «بسم اللَّه الرحمن الرحيم، اعلموا أنه ليس إمهالنا إهمالا، و لا إغضاؤنا احتمالا، و لكن لنبلوكم أيكم أحسن عملا، و قد غفرنا لكم ما سلف من إخراب البلاد و تشريد الرعايا و تقبيح الشريعة، و إظهار الباطل الجلي في صورة الحق الخفى، حيلة و مكيدة، و تسمية الاستئصال و الاجتياح استيفاء و استدراكا لأغراض انتهزتم فرصها مختلسة من براثن ليث باسل، و أنياب أسد مهيب، تنفقون بألفاظ مختلفة على معنى واحد، و أنتم أمناؤه و ثقاته فتميلون رأيه إلى هواكم، و تمزجون باطلكم بحقه، فيطيعكم و أنتم له عاصون، و يوافقكم و أنتم له مخالفون و الآن قد بدل اللَّه سبحانه بخوفكم أمنا، و بفقركم غنى، و بباطلكم حقا، و رزقكم سلطانا يقيل العثرة، و لا يؤاخذ إلا من أصرّ، و لا ينتقم إلا ممن استمر، يأمركم بالعدل و هو يريده منكم، و ينهاكم عن الجور و هو يكرهه لكم، يخاف اللَّه تعالى فيخوفكم مكره، و يرجو اللَّه تعالى و يرغبكم في طاعته فان سلكتم مسالك خلفاء اللَّه في أرضه و أمنائه على خلقه، و إلا هلكتم و السلام». و وجد في داره رقاع مختومة لم يفتحها سترا للناس و درءا عن أعراضهم (رحمه اللَّه)، و قد خلف من الأولاد عشرة ذكورا و إناثا، منهم ابنه الأكبر الّذي بويع له بالخلافة من بعده أبو جعفر المنصور، و لقب بالمستنصر باللَّه، و غسله الشيخ محمد الخياط الواعظ، و دفن في دار الخلافة، ثم نقل إلى الترب من الرصافة.
خلافة المستنصر باللَّه العباسي
أمير المؤمنين أبى جعفر منصور بن الظاهر محمد بن الناصر أحمد، بويع بالخلافة يوم مات أبوه يوم جمعة ثالث عشر رجب من هذه السنة، سنة ثلاث و عشرين و ستمائة، استدعوا به من التاج فبايعه الخاصة و العامة من أهل العقد و الحل، و كان يوما مشهودا، و كان عمره يومئذ خمسا و ثلاثين سنة و خمسة أشهر و أحد عشر يوما، و كان من أحسن الناس شكلا و أبهاهم منظرا، و هو كما قال القائل:
كأن الثريا علقت في جبينه* * * و في خده الشعرى و في وجهه القمر
و في نسبه الشريف خمسة عشر خليفة، منهم خمسة من آبائه ولوا نسقا، و تلقى هو الخلافة عنهم وراثة كابرا عن كابر، و هذا شيء لم يتفق لأحد من الخلفاء قبله، و سار في الناس كسيرة أبيه الظاهر في الجود و حسن السيرة و الإحسان إلى الرعية، و بنى المدرسة الكبيرة المستنصرية التي لم تبن مدرسة في الدنيا مثلها، و سيأتي بيان ذلك في موضعه إن شاء اللَّه، و استمر أرباب الولايات الذين كانوا في عهد أبيه على ما كانوا عليه، و لما كان يوم الجمعة المقبلة خطب للإمام المستنصر باللَّه على المنابر و نثر الذهب و العضة عند ذكر اسمه، و كان يوما مشهودا، و أنشد الشعراء المدائح و المراثي، و أطلقت لهم