البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩٦ - ثم دخلت سنة خمس و خمسين و ستمائة
الدر أم خليل. و كان كريما شجاعا حييا دينا، ثم كان موته في يوم الثلاثاء الثالث و العشرين من ربيع الأول، و هو واقف المدرسة المعزية بمصر و مجازها من أحسن الأشياء، و هي من داخل ليست بتلك الفائقة. و قد قال بعضهم: هذه مجاز لا حقيقة له. و لما قتل (رحمه اللَّه) فاتهم مماليكه زوجته أم خليل شجرة الدر به، و قد كان عزم على تزوج ابنة صاحب الموصل بدر الدين لؤلؤ، فأمرت جواريها أن يمسكنه لها فما زالت تضر به بقباقيبها و الجواري يعركن في معاربه حتى مات و هو كذلك، و لما سمعوا مماليكه أقبلوا بصحبة مملوكه الأكبر سيف الدين قطز، فقتلوها و ألقوها على مزبلة غير مستورة العورة، بعد الحجاب المنيع و المقام الرفيع، و قد علمت على المناشير و التواقيع، و خطب الخطباء باسمها، و ضربت السكة برسمها، فذهبت فلا تعرف بعد ذلك بعينها و لا رسمها قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَ تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ و أقامت الأتراك بعد أستاذهم عز الدين أيبك التركماني، بإشارة أكبر مماليكه الأمير سيف الدين قطز، ولده نور الدين عليا و لقبوه الملك المنصور، و خطب له على المنابر و ضربت السكة باسمه و جرت الأمور على ما يختاره برأيه و رسمه.
و فيها كانت فتنة عظيمة ببغداد بين الرافضة و أهل السنة، فنهب الكرخ و دور الرافضة حتى دور قرابات الوزير ابن العلقميّ، و كان ذلك من أقوى الأسباب في ممالأته للتتار. و فيها دخلت الفقراء الحيدرية الشام، و من شعارهم لبس الراحى و الطراطير و يقصون لحاهم و يتركون شواربهم، و هو خلاف السنة، تركوها لمتابعة شيخهم حيدر حين أسره الملاحدة فقصوا لحيته و تركوا شواربه، فاقتدوا به في ذلك، و هو معذور مأجور. و قد نهى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عن ذلك، و ليس لهم في شيخهم قدوة. و قد بنيت لهم زاوية بظاهر دمشق قريبا من العونية. و في يوم الأربعاء ثامن عشر ذي الحجة من هذه السنة المباركة عمل عزاء واقف البادرائية بها الشيخ نجم الدين عبد اللَّه بن محمد البادرائي البغدادي مدرس النظامية، و رسول الخلافة إلى ملوك الآفاق في الأمور المهمة، و إصلاح الأحوال المدلهمة، و قد كان فاضلا بارعا رئيسا وقورا متواضعا، و قد ابتنى بدمشق مدرسة حسنة مكان دار الأمير أسامة، و شرط على المقيم بها العزوبة و أن لا يكون الفقيه في غيرها من المدارس، و إنما أراد بذلك توفر خاطر الفقيه و جمعه على طلب العلم، و لكن حصل بذلك خلل كثير و شر لبعضهم كبير و قد كان شيخنا الامام العلامة شيخ الشافعية بالشام و غيرها برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن الشيخ تاج الدين الفزاري مدرس هذه المدرسة و ابن مدرسها، يذكر أنه لما حضر الواقف في أول يوم درس بها و حضر عنده السلطان الناصري، قرأ كتاب الوقف و فيه و لا تدخلها امرأة. فقال السلطان و لا صبي؟ فقال الواقف: يا مولانا السلطان ربنا ما يضرب بعصاتين. فإذا ذكر هذه الحكاية تبسم