البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٨ - ذكر أخذ الظاهر الكرك و إعدام صاحبها
بدمائه، و كم من طفل بكى فلم يرحم لبكائه، فشمروا عباد اللَّه عن ساق الاجتهاد في إحياء فرض الجهاد فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَ اسْمَعُوا وَ أَطِيعُوا وَ أَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ فلم يبق معذرة في القعود عن أعداء الدين، و المحاماة عن المسلمين، و هذا السلطان الملك الظاهر السيد الأجل العالم العادل المجاهد المؤيد ركن الدنيا و الدين، قد قام بنصر الإمامة عند قلة الأنصار، و شرد جيوش الكفر بعد أن جاسوا خلال الديار، و أصبحت البيعة بهمته منتظمة العقود، و الدولة العباسية به متكاثرة الجنود، فبادروا عباد اللَّه إلى شكر هذه النعمة، و أخلصوا نياتكم تنصروا، و قاتلوا أولياء الشيطان تظفروا، و لا يروعكم ما جرى فالحرب سجال و العاقبة للمتقين، و الدهر يومان و الأجر للمؤمنين، جميع اللَّه على الهدى أمركم، و أعز بالايمان نصركم، و أستغفر اللَّه لي و لسائر المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم». ثم خطب الثانية و نزل فصلى، و كتب بيعته إلى الآفاق ليخطب له و ضربت السكة باسمه. قال أبو شامة: فخطب له بجامع دمشق و سائر الجوامع يوم الجمعة سادس عشر المحرم من هذه السنة. و هذا الخليفة هو التاسع و الثلاثون من خلفاء بنى العباس، و لم يل الخلافة من بنى العباس من ليس والده و جده خليفة بعد السفاح و المنصور سوى هذا، فأما من ليس والده خليفة فكثير منهم المستعين أحمد بن محمد ابن المعتصم، و المعتضد بن طلحة بن المتوكل، و القادر بن إسحاق بن المقتدر، و المقتدى بن الذخيرة ابن القائم بأمر اللَّه.
ذكر أخذ الظاهر الكرك و إعدام صاحبها
ركب الظاهر من مصر في العساكر المنصورة قاصدا ناحية بلاد الكرك، و استدعى صاحبها الملك المغيث عمر بن العادل أبى بكر بن الكامل، فلما قدم عليه بعد جهد أرسله إلى مصر معتقلا فكان آخر العهد به، و ذلك أنه كاتب هولاكو و حثه على القدوم إلى الشام مرة أخرى، و جاءته كتب التتار بالثبات و نيابة البلاد، و أنهم قادمون عليه عشرون ألفا لفتح الديار المصرية، و أخرج السلطان فتاوى الفقهاء بقتله و عرض ذلك على ابن خلكان، و كان قد استدعاه من دمشق، و على جماعة من الأمراء، ثم سار فتسلم الكرك يوم الجمعة ثالث عشر جمادى الأولى و دخلها يومئذ في أبهة الملك، ثم عاد إلى مصر مؤيدا منصورا.
و فيها قدمت رسل بركه خان إلى الظاهر يقول له: قد علمت محبتي للإسلام، و علمت ما فعل هولاكو بالمسلمين، فاركب أنت من ناحية حتى آتيه أنا من ناحية حتى نصطلمه أو نخرجه من البلاد و أعطيك جميع ما كان بيده من البلاد، فاستصوب الظاهر هذا الرأى و شكره و خلع على رسله و أكرمهم.
و فيها زلزلت الموصل زلزلة عظيمة و تهدمت أكثر دورها، و في رمضان جهز الظاهر صناعا و أخشابا و آلات كثيرة لعمارة مسجد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بعد حريقه فطيف بتلك الأخشاب و الآلات