البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣٨ - ذكر سلطنة الملك العادل كتبغا
بها بالوضوء و غيره، و وجد بها الناس تيسيرا، و ابتنى بالقدس ربطا كثيرة، و آثار حسنة، و كان يباشر الأمور بنفسه، و له حرمة وافرة، توفى في شوال منها.
الوزير شمس الدين محمد بن عثمان
ابن أبى الرجال التنوخي، المعروف بابن السلعوس، وزير الملك الأشرف، مات تحت الضرب الّذي جاوز ألف مقرعة، في عاشر صفر من هذه السنة، و دفن بالقرافة، و قيل إنه نقل إلى الشام بعد ذلك. و كان ابتداء أمره تاجرا، ثم ولى الحسبة بدمشق بسفارة تقى الدين بن توبة، ثم كان يعامل الملك الأشرف قبل السلطنة فظهر منه على عدل و صدق، فلما ملك بعد أبيه المنصور استدعاه من الحج فولاه الوزارة، و كان يتعاظم على أكابر الأمراء و يسميهم بأسمائهم، و لا يقوم لهم، فلما قتل أستاذه الأشرف تسلموه بالضرب و الإهانة و أخذ الأموال، حتى أعدموه حياته، و صبروه و أسكنوه الثرى، بعد أن كان عند نفسه قد بلغ الثريا، و لكن حقا على اللَّه أنه ما رفع شيئا إلا وضعه.
ثم دخلت سنة أربع و تسعين و ستمائة
استهلت و الخليفة الحاكم بأمر اللَّه و سلطان البلاد الملك الناصر محمد بن قلاوون و عمره إذ ذاك اثنتا عشرة سنة و أشهرا، و مدبر الممالك و أتابك العساكر الأمير زين الدين كتبغا، و نائب الشام الأمير عز الدين أيبك الحموي، و الوزير بدمشق تقى الدين توبة التكريتي، و شاد الدواوين شمس الدين الأعسر، و قاضى الشافعية ابن جماعة، و الحنفية حسام الدين الرازيّ، و المالكية جمال الدين الزواوى، و الحنابلة شرف الدين حسن، و المحتسب شهاب الدين الحنفي، و نقيب الأشراف زين الدين بن عدنان، و وكيل بيت المال و ناظر الجامع تاج الدين الشيرازي، و خطيب البلد شرف الدين المقدسي.
فلما كان يوم عاشوراء نهض جماعة من مماليك الأشرف و خرقوا حرمة السلطان و أرادوا الخروج عليه، و جاءوا إلى سوق السلاح فأخذوا ما فيه، ثم احتيط عليهم، فمنهم من صلب و منهم من شنق، و قطع أيدي آخرين منهم و ألسنتهم، و جرت خبطة عظيمة جدا، و كانوا قريبا من ثلاثمائة أو يزيدون.
ذكر سلطنة الملك العادل كتبغا
و أصبح الأمير كتبغا في الحادي عشر من المحرم فجلس على سرير المملكة، و خلع الملك الناصر محمد بن المنصور، و ألزمه بيت أهله، و أن لا يخرج منه، و بايعه الأمراء على ذلك، و هنئوه و مد سماطا حافلا، و سارت البريدية بذلك إلى الأقاليم، فبويع له و خطب له مستقلا و ضربت السكة باسمه، و تم الأمر و زينت البلاد، و دقت البشائر، و لقب بالملك العادل، و كان عمره إذ ذاك نحوا من خمسين سنة، فإنه من سبى وقعة حمص الأولى التي كانت في أيام الملك الظاهر بعد وقعة عين