البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٩ - ذكر ما جرى بعده
و لو ترك لكان حسنا و اللَّه أعلم.
ذكر وفاة الملك الكامل
محمد بن العادل (رحمه اللَّه تعالى). تملك الكامل مدة شهرين ثم أخذه أمراض مختلفة، من ذلك سعال و إسهال و نزلة في حلقه، و نقرس في رجليه، فاتفق موته في بيت صغير من دار القصبة، و هو البيت الّذي توفى فيه عمه الملك الناصر صلاح الدين، و لم يكن عند الكامل أحد عند موته من شدة هيبته، بل دخلوا فوجدوه ميتا (رحمه اللَّه تعالى). و قد كان مولده في سنة ست و سبعين و خمسمائة، و كان أكبر أولاد العادل بعد مودود، و إليه أوصى العادل لعلمه بشأنه و كمال عقله، و توفر معرفته، و قد كان جيد الفهم يحب العلماء، و يسألهم أسئلة مشكلة، و له كلام جيد على صحيح مسلم، و كان ذكيا مهيبا ذا بأس شديد، عادل منصف له حرمة وافرة، و سطوة قوية، ملك مصر ثلاثين سنة، و كانت الطرقات في زمانه آمنة، و الرعايا متناصفة، لا يتجاسر أحد أن يظلم أحدا، شنق جماعة من الأجناد أخذوا شعيرا لبعض الفلاحين بأرض آمد، و اشتكى إليه بعض الركبدارية أن أستاذه استعمله ستة أشهر بلا أجرة، فأحضر الجندي و ألبسه قباب الركبدارية، و ألبس الركبدارى ثياب الجندي، و أمر الجندي أن يخدم الركبدار ستة أشهر على هذه الهيئة، و يحضر الركبدار الموكب و الخدمة حتى ينقضي الأجل فتأدب الناس بذلك غاية الأدب. و كانت له اليد البيضاء في رد ثغر دمياط إلى المسلمين بعد أن استحوذ عليه الفرنج لعنهم اللَّه، فرابطهم أربع سنين حتى استنقذه منهم، و كان يوم أخذه له و استرجاعه إياه يوما مشهودا، كما ذكرنا مفصلا (رحمه اللَّه تعالى). و كانت وفاته في ليلة الخميس الثاني و العشرين من رجب من هذه السنة، و دفن بالقلعة حتى كملت تربته التي بالحائط الشمالي من الجامع ذات الشباك الّذي هناك قريبا من مقصورة ابن سنان، و هي الكندية التي عند الحلبية، نقل إليها ليلة الجمعة الحادي و العشرين من رمضان من هذه السنة، و من شعره يستحث أخاه الأشرف من بلاد الجزيرة حين كان محاصرا بدمياط:
يا مسعفى إن كنت حقا مسعفى* * * فارحل بغير تقيد و توقف
و اطو المنازل و الديار و لا تنخ* * * إلا على باب المليك الأشرف
قبل يديه لا عدمت و قل له* * * عنى بحسن تعطف و تلطف
إن مات صنوك عن قريب تلقه* * * ما بين حد مهند و مثقف
أو تبط عن إنجاده فلقاؤه* * * يوم القيامة في عراص الموقف
ذكر ما جرى بعده
كان قد عهد لولده العادل و كان صغيرا بالديار المصرية، و بالبلاد الدمشقية، و لولده الصالح أيوب ببلاد الجزيرة، فأمضى الأمراء ذلك، فأما دمشق فاختلف الأمراء بها في الملك الناصر داود بن