البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٢ - ذكر فتح عكا و بقية السواحل
أمراء، و رد عليهم إقطاعاتهم، و أحسن إليهم و أكرمهم.
و في أوائل رمضان طلب القاضي بدر الدين ابن جماعة من القدس الشريف و هو حاكم به، و خطيب فيه، على البريد إلى الديار المصرية فدخلها في رابع عشره، و أفطر ليلتئذ عند الوزير ابن السلعوس و أكرمه جدا و احترمه، و كانت ليلة الجمعة، فصرح الوزير بعزل تقى الدين ابن بنت الاعز و تولية ابن جماعة بالديار المصرية قضاء القضاة، و جاء القضاة إلى تهنئته و أصبح الشهود بخدمته، و مع القضاء خطابة الجامع الأزهر، و تدريس الصالحية، و ركب في الخلعة و الطرحة و رسم لبقية القضاة أن يستمروا بلبس الطرحات، و ذهب فخطب بالجامع الأزهر، و انتقل إلى الصالحية و درس بها في الجمعة الأخرى و كان درسا حافلا، و لما كان يوم الجمعة رسم السلطان للحاكم بأمر اللَّه أن يخطب هو بنفسه الناس يومئذ و أن يذكر في خطبته أنه قد ولى السلطنة للأشرف خليل بن المنصور، فلبس خلعة سوداء و خطب الناس بالخطبة التي كان خطب بها في الدولة الظاهرية، و كانت من إنشاء الشيخ شرف الدين المقدسي في سنة ستين و ستمائة، فيكون بين الخطبتين أزيد من ثلاثين سنة، و ذلك بجامع قلعة الجبل، ثم استمر ابن جماعة يخطب بالقلعة عند السلطان، و كان يستنيب في الجامع الأزهر.
و أما ابن بنت الأعز فناله من الوزير إخراق و مصادرة و إهانة بالغة، و لم يترك له من مناصبه شيئا، و كان بيده سبعة عشر منصبا، منها القضاء و الخطابة و نظر الأحباس و مشيخة الشيوخ، و نظر الخزانة و تداريس كبار، و صادره بنحو من أربعين ألف، غير مراكبه و أشياء كثيرة، و لم يظهر منه استكانة له و لا خضوع، ثم عاد فرضى عنه و ولاه تدريس الشافعيّ، و عملت ختمة عند قبر المنصور في ليلة الاثنين رابع ذي القعدة و حضرها القضاة و الأمراء، و نزل السلطان و معه الخليفة إليهم وقت السحر، و خطب الخليفة بعد الختمة خطبة بليغة، حرض الناس على غزو بلاد العراق و استنقاذها من أيدي التتر، و قد كان الخليفة قبل ذلك محتجبا فرآه الناس جهرة، و ركب في الأسواق بعد ذلك.
و عمل أهل دمشق ختمة عظيمة بالميدان الأخضر إلى جانب القصر الأبلق، فقرئت ختمات كثيرة ثم خطب الناس بعدها الشيخ عز الدين القاروني، ثم ابن البزوري، ثم تكلم من له عادة بالكلام و جاءت البريدية بالتهيؤ لغزو العراق، و نودي في الناس بذلك، و عملت سلاسل عظام بسبب الجسورة على دجلة بغداد، و حصلت الأجور على المقصود و إن لم يقع المقصود، و حصل لبعض الناس أذى بسبب ذلك.
و فيها نادى نائب الشام الشجاعي أن لا تلبس امرأة عمامة كبيرة، و خرب الأبنية التي على نهر بانياس و الجداول كلها و المسالح و السقايات التي على الأنهار كلها، و أخرب جسر الزلابية و ما عليه من الدكاكين، و نادى أن لا يمشى أحد بعد العشاء الآخرة، ثم أطلق لهم هذه فقط، و أخرب الحمام