البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦ - ثم دخلت سنة أربع و تسعين و خمسمائة
الكوفي مولدا و منشأ، كان شاعرا مطبقا، امتدح الخلفاء و الوزراء، و هو من بيت مشهور بالأدب و الرئاسة و المروءة، قدم بغداد فامتدح المقتفى و المستنجد و ابنه المستضيء و ابنه الناصر، فولاه النقابة كان شيخا مهيبا، جاوز الثمانين، و قد أورد له ابن الساعي قصائد كثيرة منها:
اصبر على كيد الزمان* * * فما يدوم على طريقة
سبق القضاء فكن به* * * راض و لا تطلب حقيقة
كم قد تغلب مرة* * * و أراك من سعة و ضيقه
ما زال في أولاده* * * يجرى على هذي الطريقة
و فيها توفيت
الست عذراء بنت شاهنشاه
ابن أيوب، و دفنت بمدرستها داخل باب النصر، و الست خاتون والدة الملك العادل، و دفنت بدارها بدمشق المجاورة لدار أسد الدين شيركوه.
ثم دخلت سنة أربع و تسعين و خمسمائة
فيها جمعت الفرنج جموعها و أقبلوا فحاصروا تينين، فاستدعى العادل بنى أخيه لقتالهم، فجاءه العزيز من مصر، و الأفضل من صرخند، فأقلعت الفرنج عن الحصن و بلغهم موت ملك الألمان فطلبوا من العادل الهدنة و الأمان، فهادنهم و رجعت الملوك إلى أماكنها، و قد عظم المعظم عيسى بن العادل في هذه المرة، و استنابه أبوه على دمشق، و سار إلى ملكه بالجزيرة، فأحسن فيهم السيرة، و كان قد توفى في هذه السنة السلطان صاحب سنجار و غيرها من المدائن الكبار، و هو عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي الأتابكي، كان من خيار الملوك و أحسنهم شكلا و سيرة، و أجودهم طوية و سريرة، غير أنه كان يبخل، و كان شديد المحبة للعلماء، و لا سيما الحنفية، و قد ابتنى لهم مدرسة بسنجار، و شرط لهم طعاما يطبخ لكل واحد منهم في كل يوم، و هذا نظر حسن، و الفقيه أولى بهذه الحسنة من الفقير، لاشتغال الفقيه بتكراره و مطالعته عن الفكر فيما يقيته، فعدى على أولاده ابن عمه صاحب الموصل، فأخذ الملك منهم، فاستغاث بنوه بالملك العادل، فرد فيهم الملك و درأ عنهم الضيم، و استقرت المملكة لولده قطب الدين محمد، ثم سار الملك إلى ماردين فحاصرها في شهر رمضان، فاستولى على ريفها و معاملتها، و أعجزته قلعتها، فطاف عليها و مشى، و ما ظن أحد أنه تملكها، لأن ذلك لم يكن مثبوتا و لا مقدارا.
و فيها ملكت الخزر مدينة بلخ و كسروا الخطا و قهروهم، و أرسل الخليفة إليهم أن يمنعوا خوارزم شاه من دخول العراق، فإنه كان يروم أن يخطب له ببغداد. و فيها حاصر خوارزم شاه مدينة بخارى ففتحها بعد مدة، و قد كانت امتنعت عليه دهرا و نصرهم الخطا، فقهرهم جميعا و أخذها عنوة، و عفا