البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٨ - الشيخ أبو عمر
المظفر ابن قرّ على الحنفي و هو سبط ابن الجوزي ابن ابنته رابعة، و هو صاحب مرآة الزمان، و كان فاضلا في علوم كثيرة، حسن الشكل طيب الصوت، و كان يتكلم في الوعظ جيدا و تحبه العامة على صيت جده، و قد رحل من بغداد فنزل دمشق و أكرمه ملوكها، و ولى التدريس بها، و كان يجلس كل يوم سبت عند باب مشهد على بن الحسين زين العابدين إلى السارية التي يجلس عندها الوعاظ في زماننا هذا، فكان يكثر الجمع عنده حتى يكونوا من باب الناطفانيين إلى باب المشهد إلى باب الساعات، الجلوس غير الوقوف، فحزر جمعه في بعض الأيام ثلاثين ألفا من الرجال و النساء، و كان الناس يبيتون ليلة السبت في الجامع و يدعون البساتين، يبيتون في قراءة ختمات و أذكار ليحصل لهم أماكن من شدة الزحام، فإذا فرغ من وعظه خرجوا إلى أماكنهم و ليس لهم كلام إلا فيما قال يومهم ذلك أجمع، يقولون قال الشيخ و سمعنا من الشيخ فيحثهم ذلك على العمل الصالح و الكف عن المساوي، و كان يحضر عنده الأكابر، حتى الشيخ تاج الدين أبو اليمن الكندي، كان يجلس في القبة التي عند باب المشهد هو و والى البلد المعتمد و والى البر ابن تميرك و غيرهم. و المقصود أنه لما جلس يوم السبت خامس ربيع الأول كما ذكرنا حث الناس على الجهاد و أمر بإحضار ما كان تحصل عنده من شعور التائبين، و قد عمل منه شكالات تحمل الرجال، فلما رآها الناس ضجوا ضجة واحدة و بكوا بكاء كثيرا و قطعوا من شعورهم نحوها، فلما انقضى المجلس و نزل عن المنبر فتلقاه الوالي مبادر الدين المعتمد بن إبراهيم، و كان من خيار الناس، فمشى بين يديه إلى باب الناطفيين يعضده حتى ركب فرسه و الناس من بين يديه و من خلفه و عن يمينه و عن شماله، فخرج من باب الفرج و بات بالمصلى ثم ركب من الغد في الناس إلى الكسوة و معه خلائق كثيرون خرجوا بنية الجهاد إلى بلاد القدس، و كان من جملة من معه ثلاثمائة من جهة زملكا بالعدد الكثيرة التامة، قال: فجئنا عقبة أفيق و الطير لا يتجاسر أن يطير من خوف الفرنج، فلما وصلنا نابلس تلقانا المعظم، قال و لم أكن اجتمعت به قبل ذلك، فلما رأى الشكالات من شعور التائبين جعل يقبلها و يمرغها على عينيه و وجهه و يبكى، و عمل أبو المظفر ميعادا بنابلس و حث على الجهاد و كان يوما مشهودا، ثم سار هو و من معه و صحبته المعظم نحو الفرنج فقتلوا خلقا و خربوا أماكن كثيرة، و غنموا و عادوا سالمين، و شرع المعظم في تحصين جبل الطور و بنى قلعة فيه ليكون إلبا على الفرنج، فغرم أموالا كثيرة في ذلك، فبعث الفرنج إلى العادل يطلبون منه الأمان و المصالحة، فهادنهم و بطلت تلك العمارة و ضاع ما كان المعظم غرم عليها و اللَّه أعلم.
و فيها توفى من الأعيان
الشيخ أبو عمر
باني المدرسة بسفح قائسون للفقراء المشتغلين في القرآن (رحمه اللَّه)، محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة