البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣٨ - الشيخ شهاب الدين السهروردي
و كان هجاء له قدرة على ذلك، و صنف كتابا سماه مقراض الأعراض، مشتمل على نحو من خمسمائة بيت، قل من سلم من الدماشقة من شره، و لا الملك صلاح الدين و لا أخوه العادل، و قد كان يزنّ بترك الصلاة المكتوبة فاللَّه أعلم. و قد نفاه الملك الناصر صلاح الدين إلى الهند فامتدح ملوكها و حصل أموالا جزيلة، و صار إلى اليمن فيقال إنه وزر لبعض ملوكها، ثم عاد في أيام العادل إلى دمشق و لما ملك المعظم استوزره فأساء السيرة و استقال هو من تلقاء نفسه فعزله، و كان قد كتب إلى الدماشقة من بلاد الهند:
فعلام أبعدتم أخا ثقة* * * لم يقترف ذنبا و لا سرقا
أنفوا المؤذن من بلادكم* * * إن كان ينفى كل من صدقا
و مما هجا به الملك الناصر صلاح الدين (رحمه اللَّه تعالى):
سلطاننا أعرج و كاتبه* * * ذو عمش و وزيره أحدب
و الدولعى الخطيب معتكف* * * و هو على قشر بيضة يثب
و لابن باقا وعظ يغش به الناس* * * و عبد اللطيف محتسب
و صاحب الأمر خلقه شرس* * * و عارض الجيش داؤه عجب
و قال في السلطان الملك العادل سيف الدين (رحمه اللَّه تعالى) و عفا عنه.
إن سلطاننا الّذي نرتجيه* * * واسع المال ضيق الإنفاق
هو سيف كما يقال و لكن* * * قاطع للرسوم و الأرزاق
و قد حضر مرة مجلس الفخر الرازيّ بخراسان و هو على المنبر يعظ الناس، فجاءت حمامة خلفها جارح فألقت نفسها على الفخر الرازيّ كالمستجيرة به، فأنشأ ابن عنين يقول:
جاءت سليمان الزمان حمامة* * * و الموت يلمع من جناحي خاطف
قرم لواه الجوع حتى ظله* * * بإزائه بقلب واجف
من أعلم الورقاء أن محلكم* * * حرم و أنك ملجأ للخائف
الشيخ شهاب الدين السهروردي
صاحب عوارف المعارف، عمر بن محمد بن عبد اللَّه بن محمد بن محمد بن حمويه، و اسمه عبد اللَّه البكري البغدادي، شهاب الدين أبو حفص السهروردي، شيخ الصوفية ببغداد، كان من كبار الصالحين و سادات المسلمين، و تردد في الرسلية بين الخلفاء و الملوك مرارا، و حصلت له أموال جزيلة ففرقها بين الفقراء و المحتاجين، و قد حج مرة و في صحبته خلق من الفقراء لا يعلمهم إلا اللَّه عز و جل، و كانت فيه مروءة و إغاثة للملهوفين، و أمر بالمعروف و نهى عن المنكر، و كان يعظ الناس