البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٨ - تمليك الملك المعز عز الدين أيبك التركماني بمصر بعد بنى أيوب، و هذا أول دولة الأتراك
قصر من خشب في المخيم فحاصروه فيه و أحرقوه عليه، فخرج من بابه مستجيرا برسول الخليفة فلم يقبلوا منه، فهرب إلى النيل فانغمر فيه ثم خرج فقتل سريعا شر قتلة و داسوه بأرجلهم و دفن كالجيفة، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. و كان فيمن ضربه البندقداري على كتفه فخرج السيف من تحت إبطه الآخر و هو يستغيث فلا يغاث.
و ممن قتل في هذه السنة فخر الدين يوسف بن الشيخ بن حمويه
و كان فاضلا دينا مهيبا وقورا خليقا بالملك، كانت الأمراء تعظمه جدا، و لو دعاهم إلى مبايعته بعد الصالح لما اختلف عليه اثنان، و لكنه كان لا يرى ذلك حماية لجانب بنى أيوب، قتلته الداوية من الفرنج شهيدا قبل قدوم المعظم توران شاه إلى مصر، في ذي القعدة، و نهبت أمواله و حواصله و خيوله، و خربت داره و لم يتركوا شيئا من الأفعال الشنيعة البشعة إلا صنعوه به، مع أن الذين تعاطوا ذلك من الأمراء كانوا معظمين له غاية التعظيم. و من شعره:
عصيت هوى نفسي صغيرا فعند ما* * * رمتني الليالي بالمشيب و بالكبر
أطعت الهوى عكس القضية ليتني* * * خلقت كبيرا ثم عدت إلى الصغر
ثم دخلت سنة ثمان و أربعين و ستمائة
في ثالث المحرم يوم الأربعاء كان كسر المعظم توران شاه للفرنج على ثغر دمياط، فقتل منهم ثلاثين ألفا و قيل مائة ألف، و غنموا شيئا كثيرا و للَّه الحمد. ثم قتل جماعة من الأمراء الذين أسروا، و كان فيمن أسر ملك الفرنسيس و أخوه، و أرسلت غفارة ملك الأفرنسيس إلى دمشق فلبسها نائبها في يوم الموكب، و كانت من سقرلاط تحتها فرو سنجاب، فأنشد في ذلك جماعة من الشعراء فرحا بما وقع، و دخل الفقراء كنيسة مريم فأقاموا بها فرحا لما نصر اللَّه تعالى على النصارى، و كادوا أن يخربوها و كانت النصارى ببعلبكّ فرحوا حين أخذت النصارى دمياط، فلما كانت هذه الكسرة عليهم سخموا وجوه الصور، فأرسل نائب البلد فجناهم و أمر اليهود فصفعوهم، ثم لم يخرج شهر المحرم حتى قتل الأمراء ابن أستاذهم توران شاه، و دفنوه إلى جانب النيل من الناحية الأخرى (رحمه اللَّه تعالى) و رحم أسلافه بمنه و كرمه.
تمليك الملك المعز عز الدين أيبك التركماني بمصر بعد بنى أيوب، و هذا أول دولة الأتراك
لما قتل الأمراء البحرية و غيرهم من الصالحية ابن أستاذهم المعظم غياث الدين توران شاه بن الصالح أيوب بن الكامل بن العادل أبى بكر بن نجم الدين أيوب، و كان ملكه بعد أبيه بشهرين كما تقدم بيانه، و لما انفصل أمره بالقتل نادوا فيما بينهم لا بأس لا بأس، و استدعوا من بينهم الأمير عز الدين أيبك التركماني، فملكوه عليهم و بايعوه و لقبوه بالملك المعز، و ركبوا إلى القاهرة، ثم بعد خمسة أيام أقاموا