البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٩ - الأمير بنيامين بن عبد اللَّه
كل من الفريقين يطيب قلبه، و حضر الوقعة بينهم و هو متحيز عن الفريقين، و كانت الدائرة على الخطا، فهلكوا إلا القليل منهم، و غدر التتار ما كانوا عاهدوا عليه خوارزم شاه، فوقعت بينهم الوحشة الأكيدة، و تواعدوا للقتال، و خاف منهم خوارزم شاه و خرب بلادا كثيرة متاخمة لبلاد كشلى خان خوفا عليها أن يملكها، ثم إن جنكيزخان خرج على كشلى خان، فاشتغل بمحاربته عن محاربة خوارزم شاه، ثم إنه وقع من الأمور الغريبة ما سنذكره إن شاء اللَّه تعالى.
و فيها كثرت غارات الفرنج من طرابلس على نواحي حمص، فضعف صاحبها أسد الدين شيركوه عن مقاومتهم، فبعث إليه الظاهر صاحب حلب عسكرا قواه بهم على الفرنج، و خرج العادل من مصر في العساكر الإسلامية، و أرسل إلى جيوش الجزيرة فوافوه على عكا فحاصرها، لأن القبارصة أخذوا من أسطول المسلمين قطعا فيها جماعة من المسلمين، فطلب صاحب عكا الأمان و الصلح على أن يرد الأسارى، فأجابه إلى ذلك، و سار العادل فنزل على بحيرة قدس قريبا من حمص، ثم سار إلى بلاد طرابلس، فأقام اثنى عشر يوما يقتل و يأسر و يغنم، حتى جنح الفرنج إلى المهادنة، ثم عاد إلى دمشق.
و فيها ملك صاحب آذربيجان الأمير نصير الدين أبو بكر بن البهلول مدينة مراغة لخلوها عن ملك قاهر، لأن ملكها مات و قام بالملك بعده ولد له صغير، فدبر أمره خادم له. و في غرة ذي القعدة شهد محيي الدين أبو محمد يوسف بن عبد الرحمن بن الجوزي عند قاضى القضاة أبى القاسم بن الدامغانيّ، فقبله و ولاه حسبة جانبي بغداد، و خلع عليه خلعة سنية سوداء بطرحة كحلية، و بعد عشرة أيام جلس للوعظ مكان أبيه أبى الفرج بباب درب الشريف، و حضر عنده خلق كثير. و بعد أربعة أيام من يومئذ درس بمشهد أبى حنيفة ضياء الدين أحمد بن مسعود الركسانى الحنفي، و حضر عنده الأعيان و الأكابر و في رمضان منها وصلت الرسل من الخليفة إلى العادل بالخلع، فلبس هو و ولداه المعظم و الأشرف و وزيره صفى الدين بن شكر، و غير واحد من الأمراء، و دخلوا القلعة وقت صلاة الظهر من باب الحديد، و قرأ التقليد الوزير و هو قائم، و كان يوما مشهودا. و فيها درس شرف الدين عبد اللَّه ابن زين القضاة عبد الرحمن بالمدرسة الرواحية بدمشق. و فيها انتقل الشيخ الخير بن البغدادي من الحنبلية إلى مذهب الشافعية، و درس بمدرسة أم الخليفة، و حضر عنده الأكابر من سائر المذاهب.
و فيها توفى من الأعيان
الأمير بنيامين بن عبد اللَّه
أحد أمراء الخليفة الناصر، كان من سادات الأمراء عقلا و عفة و نزاهة، سقاه بعض الكتاب من النصارى سما فمات. و كان اسم الّذي سقاه ابن سأوا، فسلمه الخليفة إلى غلمان بنيامين فشفع فيه ابن مهدي الوزير و قال: إن النصارى قد بذلوا فيه خمسين ألف دينار، فكتب الخليفة على رأس الورقة