البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥١ - ثم دخلت سنة خمس و ستمائة
فليس ينجى من الأقدار إن نزلت* * * رأى و حزم و لا خوف و لا حذر
فاستعمل الصبر في كل الأمور و لا* * * تجزع لشيء فعقبى صبرك الظفر
كم مسنا عسر فصرّفه* * * الإله عنا و ولى بعده يسر
لا ييئس المرء من روح الآله فما* * * ييأس منه إلا عصبة كفروا
إني لأعلم أن الدهر ذو دول* * * و أن يوميه ذا أمن و ذا خطر
ثم دخلت سنة خمس و ستمائة
في محرمها كمل بناء دار الضيافة ببغداد التي أنشأها الناصر لدين اللَّه بالجانب الغربي منها للحجاج و المارة لهم الضيافة ما داموا نازلين بها، فإذا أراد أحدهم السفر منها زود و كسى و أعطى بعد ذلك دينارا، جزاه اللَّه خيرا. و فيها عاد أبو الخطاب ابن دحية الكلبي من رحلته العراقية فاجتاز بالشام فاجتمع في مجلس الوزير الصفي هو و الشيخ تاج الدين أبو اليمن الكندي شيخ اللغة و الحديث، فأورد ابن دحية في كلامه حديث الشفاعة حتى انتهى إلى [قول] إبراهيم عليه السلام «إنما كنت خليلا من وراء وراء» بفتح اللفظتين، فقال الكندي من وراء وراء بضمهما، فقال ابن دحية للوزير ابن شكر: من هذا؟ فقال: هذا أبو اليمن الكندي، فنال منه ابن دحية، و كان جريئا، فقال الكندي: هو من كلب ينبح كما ينبح الكلب. قال أبو شامة: و كلتا اللفظتين محكية، و حكى فيهما الجر أيضا. و فيها عاد فخر الدين ابن تيمية خطيب من حران من الحج إلى بغداد و جلس بباب بدر للوعظ، مكان محيي الدين يوسف بن الجوزي، فقال في كلامه ذلك:
و ابن اللبون إذا ما لزّ في قرن* * * لم يستطع صولة البزل القناعيس
كأنه يعرض بابن الجوزي يوسف، لكونه شابا ابن خمس و عشرين سنة و اللَّه أعلم.
و في يوم الجمعة تاسع محرم دخل مملوك افرنجى من باب مقصورة جامع دمشق و هو سكران و في يده سيف مسلول، و الناس جلوس ينتظرون صلاة الفجر، فمال على الناس يضربهم بسيفه فقتل اثنين أو ثلاثة، و ضرب المنبر بسيفه فانكسر سيفه فأخذ و أودع المارستان، و شنق في يومه ذلك على جسر اللبادين.
و فيها عاد الشيخ شهاب الدين السهروردي من دمشق بهدايا الملك العادل فتلقاه الجيش و معه أموال كثيرة أيضا لنفسه، و كان قبل ذلك فقيرا زاهدا، فلما عاد منع من الوعظ و أخذت منه الربط التي يباشرها، و وكل إلى ما بيده من الأموال، فشرع في تفريقها على الفقراء و المساكين، فاستغنى منه خلق كثير، فقال المحيي ابن الجوزي في مجلس وعظه: لا حاجة بالرجل يأخذ أموالا من غير حقها و يصرفها إلى من يستحقها، و لو ترك على ما كان كان تركها أولى به من تناولها، و إنما أراد أن ترتفع