البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٣ - ثم دخلت سنة ست و عشرين و ستمائة
ذكره ابن الساعي.
ثم دخلت سنة خمس و عشرين و ستمائة
فيها كانت حروب كثيرة بين جلال الدين و التتر، كسروه غير مرة، ثم بعد ذلك كله كسرهم كسرة عظيمة، و قتل منهم خلقا و أمما لا يحصون، و كان هؤلاء التتر قد انفردوا و عصوا على جنكيزخان فكتب جنكيزخان إلى جلال الدين يقول له: إن هؤلاء ليسوا منا و نحن أبعدناهم، و لكن سترى مناما لا قبل لك به. و فيها قدمت طائفة كبيرة من الفرنج من ناحية صقلّيّة فنزلوا عكا و صور و حملوا على مدينة صيدا فانتزعوها من أيدي المؤمنين، و عبروها و قويت شوكتهم، و جاء الانبرور ملك الجزيرة القبرصية ثم سار فنزل عكا فخاف المسلمون من شره و باللَّه المستعان. و ركب الملك الكامل محمد بن العادل صاحب مصر إلى بيت المقدس الشريف فدخله، ثم سار إلى نابلس فخاف الناصر داود بن المعظم من عمه الكامل، فكتب إلى عمه الأشرف فقدم عليه جريدة، و كتب إلى أخيه الكامل يستعطفه و يكفه عن ابن أخيه، فأجابه الكامل بأنى إنما جئت لحفظ بيت المقدس و صونه عن الفرنج الذين يريدون أخذه، و حاشى للَّه أن أحاصر أخى أو ابن أخى، و بعد أن جئت أنت إلى الشام فأنت تحفظها و أنا راجع إلى الديار المصرية، فخشي الأشرف و أهل دمشق إن رجع الكامل أن تمتد أطماع الفرنج إلى بيت المقدس، فركب الأشرف إلى أخيه الكامل فثبطه عن الرجوع، و أقاما جميعا هنالك جزاهما اللَّه خيرا، يحوطان جناب القدس عن الفرنج لعنهم اللَّه. و اجتمع إلى الملك جماعة من ملوكهم، كأخيه الأشرف و أخيهما الشهاب غازى بن العادل و أخيهم الصالح إسماعيل بن العادل، و صاحب حمص أسد الدين شيركوه بن ناصر الدين، و غيرهم، و اتفقوا كلهم على نزع الناصر داود عن ملك دمشق و تسليمها إلى الأشرف موسى. و فيها عزل الصدر التكريتي عن حسبة دمشق و مشيخة الشيوخ و ولى فيها اثنان غيره.
قال أبو شامة: و في أوائل رجب توفى الشيخ الصالح الفقيه أبو الحسن على بن المراكشي المقيم بالمدرسة المالكية، و دفن بالمقبرة التي وقفها الزين خليل بن زويزان قبلي مقابر الصوفية، و كان أول من دفن بها (رحمه اللَّه تعالى).
ثم دخلت سنة ست و عشرين و ستمائة
استهلت هذه السنة و ملوك بنى أيوب مفترقون مختلفون، قد صاروا أحزابا و فرقا، و قد اجتمع ملوكهم إلى الكامل محمد صاحب مصر، و هو مقيم بنواحي القدس الشريف، فقويت نفوس الفرنج لعنهم اللَّه بكثرتهم بمن وفد إليهم من البحر، و بموت المعظم و اختلاف من بعده من الملوك، فطلبوا من المسلمين أن يردوا إليهم ما كان الناصر صلاح الدين أخذ منهم، فوقعت المصالحة بينهم و بين الملوك أن يردوا لهم بيت المقدس وحده، و تبقى بأيديهم بقية البلاد، فتسلموا القدس الشريف، و كان