البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨ - عبد الرحمن بن على
كثير، و أخربت محال كثيرة من طرابلس و صور و عكا و نابلس، و لم يبق بنابلس سوى حارة السامرة و مات بها و بقراها ثلاثون ألفا تحت الردم، و سقط طائفة كثيرة من المنارة الشرقية بدمشق بجامعها، و أربع عشرة شرافة منه، و غالب الكلاسة و المارستان النوري، و خرج الناس إلى الميادين يستغيثون و سقط غالب قلعة بعلبكّ مع وثاقة بنيانها، و انفرق البحر إلى قبرص و قد حذف بالمراكب منه إلى ساحله، و تعدى إلى ناحية الشرق فسقط بسبب ذلك دور كثيرة، و مات أمم لا يحصون و لا يعدون حتى قال صاحب مرآة الزمان: إنه مات في هذه السنة بسبب الزلزلة نحو من ألف ألف و مائة ألف إنسان قتلا تحتها، و قيل إن أحدا لم يحص من مات فيها و اللَّه سبحانه أعلم.
و فيها توفى من الأعيان.
عبد الرحمن بن على
ابن محمد بن على بن عبد اللَّه بن حمادي بن أحمد بن محمد بن جعفر الجوزي- نسبة إلى فرضة نهر البصرة- ابن عبد اللَّه بن القاسم بن النضر بن القاسم بن محمد بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق، الشيخ الحافظ الواعظ جمال الدين أبو الفرج المشهور بابن الجوزي، القرشي التيمي البغدادي الحنبلي، أحد أفراد العلماء، برز في علوم كثيرة، و انفرد بها عن غيره، و جمع المصنفات الكبار و الصغار نحوا من ثلاثمائة مصنف، و كتب بيده نحوا من مائتي مجلدة، و تفرد بفن الوعظ الّذي لم يسبق إليه و لا يلحق شأوه فيه و في طريقته و شكله، و في فصاحته و بلاغته و عذوبته و حلاوة ترصيعه و نفوذ وعظه و غوصه على المعاني البديعة، و تقريبه الأشياء الغريبة فيما يشاهد من الأمور الحسية، بعبارة وجيزة سريعة الفهم و الإدراك، بحيث يجمع المعاني الكثيرة في الكلمة اليسيرة، هذا و له في العلوم كلها اليد الطولى، و المشاركات في سائر أنواعها من التفسير و الحديث و التاريخ و الحساب و النظر في النجوم و الطب و الفقه و غير ذلك من اللغة و النحو، و له من المصنفات في ذلك ما يضيق هذا المكان عن تعدادها، و حصر أفرادها، منها كتابه في التفسير المشهور بزاد المسير، و له تفسير أبسط منه و لكنه ليس بمشهور، و له جامع المسانيد استوعب به غالب مسند أحمد و صحيحى البخاري و مسلم و جامع الترمذي، و له كتاب المنتظم في تواريخ الأمم من العرب و العجم في عشرين مجلدا، قد أوردنا في كتابنا هذا كثيرا منه من حوادثه و تراجمه، و لم يزل يؤرخ أخبار العالم حتى صار تاريخا، و ما أحقه بقول الشاعر:
ما زلت تدأب في التاريخ مجتهدا* * * حتى رأيتك في التاريخ مكتوبا
و له مقامات و خطب، و له الأحاديث الموضوعة، و له العلل المتناهية في الأحاديث الواهية، و غير ذلك. ولد سنة عشر و خمسمائة، و مات أبوه و عمره ثلاث سنين، و كان أهله تجارا في النحاس، فلما ترعرع جاءت به عمته إلى مسجد محمد بن ناصر الحافظ، فلزم الشيخ و قرأ عليه و سمع عليه