البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩ - عبد الرحمن بن على
الحديث و تفقه بابن الزاغونى، و حفظ الوعظ و وعظ و هو ابن عشرين سنة أو دونها، و أخذ اللغة عن أبى منصور الجواليقيّ، و كان و هو صبي دينا مجموعا على نفسه لا يخالط أحدا و لا يأكل ما فيه شبهة، و لا يخرج من بيته إلا للجمعة، و كان لا يلعب مع الصبيان، و قد حضر مجلس وعظه الخلفاء و الوزراء و الملوك و الأمراء و العلماء و الفقراء، و من سائر صنوف بنى آدم، و أقل ما كان يجتمع في مجلس وعظه عشرة آلاف، و ربما اجتمع فيه مائة ألف أو يزيدون، و ربما تكلم من خاطره على البديهة نظما و نثرا، و بالجملة كان أستاذا فردا في الوعظ و غيره، و قد كان فيه بهاء و ترفع في نفسه و إعجاب و سمو بنفسه أكثر من مقامه، و ذلك ظاهر في كلامه في نثره و نظمه، فمن ذلك قوله:
ما زلت أدرك ما غلا بل ما علا* * * و أكابد النهج العسير الأطولا
تجرى بى الآمال في حلباته* * * جرى السعيد مدى ما أملا
أفضى بى التوفيق فيه إلى الّذي* * * أعيا سواي توصلا و تغلغلا
لو كان هذا العلم شخصا ناطقا* * * و سألته هل زار مثلي؟ قال: لا
و من شعره و قيل هو لغيره:
إذا قنعت بميسور من القوت* * * بقيت في الناس حرا غير ممقوت
ياقوت يومى إذا ما در حلقك لي* * * فلست آسى على در و ياقوت
و له من النظم و النثر شيء كثيرا جدا، و له كتاب سماه لقط الجمان في كان و كان، و من لطائف كلامه
قوله في الحديث «أعمار أمتى ما بين الستين إلى السبعين»
إنما طالت أعمار من قبلنا لطول البادية، فلما شارف الركب بلد الاقامة قيل لهم حثوا المطي، و قال له رجل أيما أفضل؟ أجلس أسبح أو أستغفر؟ فقال الثوب الوسخ أحوج إلى البخور. و سئل عمن أوصى و هو في السياق فقال: هذا طين سطحه في كانون. و التفت إلى ناحية الخليفة المستضيء و هو في الوعظ فقال: يا أمير المؤمنين إن تكلمت خفت منك، و إن سكت خفت عليك، و إن قول القائل لك اتّق اللَّه خير لك من قوله لكم إنكم أهل بيت مغفور لكم، كان عمر بن الخطاب يقول: إذا بلغني عن عامل لي أنه ظلم فلم أغيره فأنا الظالم، يا أمير المؤمنين. و كان يوسف لا يشبع في زمن القحط حتى لا ينسى الجائع، و كان عمر يضرب بطنه عام الرمادة و يقول قرقرا و لا تقرقرا، و اللَّه لا ذاق عمر سمنا و لا سمينا حتى يخصب الناس. قال فبكى المستضيء و تصدق بمال كثير، و أطلق المحابيس و كسى خلقا من الفقراء.
ولد ابن الجوزي في حدود سنة عشر و خمسمائة كما تقدم، و كانت وفاته ليلة الجمعة بين العشاءين الثاني عشر من رمضان من هذه السنة، و له من العمر سبع و ثمانون سنة، و حملت جنازته على رءوس الناس، و كان الجمع كثيرا جدا، و دفن بباب حرب عند أبيه بالقرب من الامام أحمد، و كان يوما