البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠ - ثم دخلت سنة إحدى و تسعين و خمسمائة
مجتهد، فرماه الناس بالآجر فاختفى ثم هرب إلى قزوين.
ابن الشاطبي ناظم الشاطبية
أبو القاسم بن قسيرة بن أبي القاسم خلف بن أحمد الرعينيّ الشاطبي الضرير، مصنف الشاطبية في القراءات السبع، فلم يسبق إليها و لا يلحق فيها، و فيها من الرموز كنوز لا يهتدى إليها إلا كل ناقد بصير، هذا مع أنه ضرير ولد سنة ثمان و ثلاثين و خمسمائة، و بلده شاطبة- قرية شرقى الأندلس- كان فقيرا، و قد أريد أن يلي خطابة بلده فامتنع من ذلك لأجل مبالغة الخطباء على المنابر في وصف الملوك، خرج الشاطبي إلى الحج فقدم الإسكندرية سنة ثنتين و سبعين و خمسمائة، و سمع على السلفي و ولاه القاضي الفاضل مشيخة الأقراء بمدرسته، و زار القدس و صام به شهر رمضان، ثم رجع إلى القاهرة، فكانت وفاته بها في جمادى الآخرة من هذه السنة، و دفن بالقرافة بالقرب من التربة الفاضلية، و كان دينا خاشعا ناسكا كثير الوقار، لا يتكلم فيما لا يعنيه، و كان يتمثل كثيرا بهذه الأبيات، و هي لغز في النعش، و هي لغيره:
أ تعرف شيئا في السماء يطير* * * إذا سار هاج الناس حيث يسير
فتلقاه مركوبا و تلقاه راكبا* * * و كل أمير يعتليه أسير
يحث على التقوى و يكره قربه* * * و تنفر منه النفس و هو نذير
و لم يستزر عن رغبة في زيارة* * * و لكن على رغم المزور يزور
ثم دخلت سنة إحدى و تسعين و خمسمائة
فيها كانت وقعة الزلاقة ببلاد الأندلس شمالي قرطبة، بمرج الحديد، كانت وقعة عظيمة نصر اللَّه فيها الإسلام و خذل فيها عبدة الصلبان، و ذلك أن القيش ملك الفرنج ببلاد الأندلس، و مقر ملكه بمدينة طليطلة، كتب إلى الأمير يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن ملك الغرب يستنخيه و يستدعيه و يستحثه إليه، ليكون من بعض من يخضع له في مثالبه و في قتاله، في كلام طويل فيه تأنيب و تهديد و وعيد شديد، فكتب السلطان يعقوب بن يوسف في رأس كتابه فوق خطه (ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَ لَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَ هُمْ صاغِرُونَ) ثم نهض من فوره في جنوده و عساكره، حتى قطع الزقاق إلى الأندلس، فالتقوا في المحل المذكور، فكانت الدائرة أولا على المسلمين، فقتل منهم عشرون ألفا، ثم كانت أخيرا على الكافرين فهزمهم اللَّه و كسرهم و خذلهم أقبح كسرة، و شر هزيمة و أشنعها، فقتل منهم مائة ألف و ثلاثة و أربعون ألفا، و أسر منهم ثلاثة عشر ألفا، و غنم المسلمون منهم شيئا كثيرا، من ذلك مائة ألف خيمة و ثلاثة و أربعون خيمة، و من الخيل ستة و أربعون ألف فرس، و من البغال مائة ألف بغل، و من الحمر مثلها، و من السلاح التام سبعون ألفا،