البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣١ - ذكر البيعة بالخلافة للمستنصر باللَّه أبى القاسم أحمد بن أمير المؤمنين الظاهر
و في ربيع الآخر قبض الظاهر على جماعة من الأمراء بلغه عنهم أنهم يريدون الوثوب عليه و فيه أرسل إلى الشوبك فتسلمها من أيدي نواب المغيث صاحب الكرك، و فيها جهز الظاهر جيشا إلى حلب ليطردوا التتار عنها، فلما وصل الجيش إلى غزة كتب الفرنج إلى التتار ينذرونهم، فرحلوا عنها مسرعين و استولى على حلب جماعة من أهلها، فصادروا و نهبوا و بلغوا أغراضهم، و قدم إليهم الجيش الظاهري فأزالوا ذلك كله، و صادروا أهلها بألف ألف و ستمائة ألف، ثم قدم الأمير شمس الدين آقوش التركي من جهة الظاهر فاستلم البلد فقطع و وصل و حكم و عدل.
و في يوم الثلاثاء عاشر جمادى الأولى باشر القضاء بمصر تاج الدين عبد الوهاب بن القاضي الأعز أبى القاسم خلف بن رشيد الدين بن أبى الثناء محمود بن بدر العلائى، و ذلك بعد شروط ذكرها للظاهر شديدة، فدخل تحتها الملك الظاهر و عزل عن القضاء بدر الدين أبو المحاسن يوسف بن على السنجاري و رسم عليه أياما، ثم أفرج عنه.
ذكر البيعة بالخلافة للمستنصر باللَّه أبى القاسم أحمد بن أمير المؤمنين الظاهر
و كان معتقلا ببغداد فأطلق، و كان مع جماعة الأعراب بأرض بالعراق، ثم قصد الظاهر حين بلغه ملكه، فقدم مصر صحبة جماعة من أمراء الأعراب عشرة، منهم الأمير ناصر الدين مهنا في ثامن رجب، فخرج السلطان و معه الوزير و الشهود و المؤذنون فتلقوه و كان يوما مشهودا، و خرج أهل التوراة بتوراتهم، و النصارى بإنجيلهم، و دخل من باب النصر في أبهة عظيمة، فلما كان يوم الاثنين ثالث عشر رجب جلس السلطان و الخليفة بالايوان بقلعة الجبل، و الوزير و القاضي و الأمراء على طبقاتهم، و أثبت نسب الخليفة المذكور على الحاكم تاج الدين بن الاعز، و هذا الخليفة هو أخو المستنصر باني المستنصرية، و عم المستعصم، بويع بالخلافة بمصر بايعه الملك الظاهر و القاضي و الوزير و الأمراء، و ركب في دست الخلافة بديار مصر و الأمراء بين يديه و الناس حوله، و شق القاهرة في ثالث عشر رجب، و هذا الخليفة هو الثامن و الثلاثون من خلفاء بنى العباس بينه و بين العباس أربعة و عشرون أبا، و كان أول من بايعه القاضي تاج الدين لما ثبت نسبه، ثم السلطان ثم الشيخ عز الدين ابن عبد السلام ثم الأمراء و الدولة، و خطب له على المنابر و ضرب اسمه على السكة و كان منصب الخلافة قد شغر منذ ثلاث سنين و نصفا، لأن المستعصم قتل في أول سنة ست و خمسين و ستمائة، و بويع هذا في يوم الاثنين في ثالث عشر رجب من هذه السنة- أعنى سنة تسع و خمسين و ستمائة- و كان أسمر وسيما شديد القوى عالى الهمة له شجاعة و إقدام، و قد لقبوه بالمستنصر كما كان أخاه باني المدرسة، و هذا أمر لم يسبق إليه أن خليفتين أخوين يلقب كل منهما بالآخر، ولى الخلافة أخوين كهذين السفاح و أخوه المنصور، و كذا محمد بن على بن عبد اللَّه بن العباس، و الهادي