البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٠ - الشيخ شهاب الدين أبو شامة
و مشيخة الشيوخ، و نظر الأجياش، و تدريس الشافعيّ و الصالحية و إمامة الجامع، و كان بيده خمسة عشر وظيفة، و باشر الوزارة في بعض الأوقات، و كان السلطان يعظمه، و الوزير ابن حنا يخاف منه كثيرا، و كان يحب أن ينكبه عند السلطان و يضعه فلا يستطيع ذلك، و كان يشتهي أن يأتى داره و لو عائدا، فمرض في بعض الأحيان فجاء القاضي عائدا، فقام إلى تلقيه لوسط الدار، فقال له القاضي: إنما جئنا لعيادتك فإذا أنت سوى صحيح، سلام عليكم، فرجع و لم يجلس عنده. و كان مولده في سنة أربع و ستمائة، و تولى بعده القضاء تقى الدين ابن رزين
واقف القيمرية الأمير الكبير ناصر الدين
أبو المعالي الحسين بن العزيز بن أبى الفوارس القيمري الكردي، كان من أعظم الأمراء مكانة عند الملوك، و هو الّذي سلم الشام إلى الملك الناصر صاحب حلب، حين قتل توران شاه بن الصالح أيوب بمصر، و هو واقف المدرسة القيمرية عند مئذنة فيروز، و عمل على بابها الساعات التي لم يسبق إلى مثلها، و لا عمل على شكلها، يقال إنه غرم عليها أربعين ألف درهم.
الشيخ شهاب الدين أبو شامة
عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان بن أبى بكر بن عباس أبو محمد و أبو القاسم المقدسي الشيخ الامام العالم الحافظ المحدث الفقيه المؤرخ المعروف بأبي شامة شيخ دار الحديث الاشرفية، و مدرس الركنية، و صاحب المصنفات العديدة المفيدة، له اختصار تاريخ دمشق في مجلدات كثيرة، و له شرح الشاطبية، و له الرد إلى الأمر الأول، و له في المبعث و في الأسراء، و كتاب الروضتين في الدولتين النورية و الصلاحية، و له الذيل على ذلك، و له غير ذلك من الفوائد الحسان و الغرائب التي هي كالعقيان. ولد ليلة الجمعة الثالث و العشرين من ربيع الآخر سنة تسع و تسعين و خمسمائة، و ذكر لنفسه ترجمة في هذه السنة في الذيل، و ذكر مرباه و منشأه، و طلبه العلم، و سماعه الحديث، و تفقهه على الفخر بن عساكر و ابن عبد السلام، و السيف الآمدي، و الشيخ موفق الدين بن قدامة، و ما رئي له من المنامات الحسنة. و كان ذا فنون كثيرة، أخبرنى علم الدين البرزالي الحافظ عن الشيخ تاج الدين الفزاري، أنه كان يقول: بلغ الشيخ شهاب الدين أبو شامة رتبة الاجتهاد، و قد كان ينظم أشعارا في أوقات، فمنها ما هو مستحلى، و منها ما لا يستحلى، فاللَّه يغفر لنا و له. و بالجملة فلم يكن في وقته مثله في نفسه و ديانته، و عفته و أمانته، و كانت وفاته بسبب محنة ألبوا عليه، و أرسلوا إليه من اغتاله و هو بمنزل له بطواحين الأشنان، و قد كان اتهم برأي، الظاهر براءته منه، و قد قال جماعة من أهل الحديث و غيرهم: إنه كان مظلوما، و لم يزل يكتب في التاريخ حتى وصل إلى رجب من هذه السنة، فذكر أنه أصيب بمحنة في منزله بطواحين الأشنان، و كان الذين قتلوه جاءوه قبل فضربوه ليموت فلم يمت، فقيل له: ألا تشتكي عليهم، فلم يفعل و أنشأ يقول: