البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٩ - ثم دخلت سنة أربع و سبعين و ستمائة
بيمند بن بيمند بن بيمند
ابرنس طرابلس الفرنجى، كان جده نائبا لبنت صيحل الّذي تملك طرابلس من ابن عمار في حدود الخمسمائة، و كانت يتيمة تسكن بعض جزائر البحر، فتغلب هذا على البلد لبعدها عنه، ثم استقل بها ولده ثم حفيده هذا، و كان شكلا مليحا. قال قطب الدين اليونينى: رأيته في بعلبكّ في سنة ثمان و خمسين و ستمائة حين جاء مسلما على كتبغانوين، و رام أن يطلب منه بعلبكّ، فشق ذلك على المسلمين. و لما توفى دفن في كنيسة طرابلس، و لما فتحها المسلمون في سنة ثمان و ثمانين و ستمائة نبش الناس قبره و أخرجوه منه و ألقوا عظامه على المزابل للكلاب.
ثم دخلت سنة أربع و سبعين و ستمائة
لما كان يوم الخميس ثامن جمادى الأولى نزل التتار على البيرة في ثلاثين ألف مقاتل، خمسة عشر ألفا من المغول، و خمسة عشر ألفا من الروم، و المقدم على الجميع البرواناه بأمر أبغا ملك التتار و معهم جيش الموصل و جيش ماردين و الأكراد، و نصبوا عليها ثلاثة و عشرين منجنيقا، فخرج أهل البيرة في الليل فكبسوا عسكر التتار و أحرقوا المنجنيقات و نهبوا شيئا كثيرا، و رجعوا إلى بيوتهم سالمين، فأقام عليها الجيش مدة إلى تاسع عشر الشهر المذكور، ثم رجعوا عنها بغيظهم لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَ كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ، وَ كانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً. و لما بلغ السلطان نزول التتار على البيرة أنفق في الجيش ستمائة ألف دينار، ثم ركب سريعا و في صحبته ولده السعيد، فلما كان في أثناء الطريق بلغه رحيل التتار عنها فعاد إلى دمشق، ثم ركب في رجب إلى القاهرة فدخلها في ثامن عشر فوجد بها خمسة و عشرين رسولا من جهة ملوك الأرض ينتظرونه فتلقوه و حدثوه و قبلوا الأرض بين يديه و دخل القلعة في أبهة عظيمة. و لما عاد البرواناه إلى بلاد الروم حلف الأمراء الكبار منهم شرف الدين مسعود و ضياء الدين محمود ابنا الخطيريّ، و أمين الدين ميكائيل، و حسام الدين ميجار، و ولده بهاء الدين، على أن يكونوا من جهة السلطان الملك الظاهر و ينابذوا أبغا، فحلفوا له على ذلك، و كتب إلى الظاهر بذلك، و أن يرسل إليه جيشا و يحمل له ما كان يحمله الى التتار، و يكون غياث الدين كنجرى على ما هو عليه، يجلس على تخت مملكة الروم.
و في هذه السنة استسقى أهل بغداد ثلاثة أيام فلم يسقوا. و فيها في رمضان منها وجد رجل و امرأة في نهار رمضان على فاحشة الزنا، فأمر علاء الدين صاحب الديوان برجمهما فرجما، و لم يرجم ببغداد قبلهما قط أحد منذ بنيت. و هذا غريب جدا. و فيها استسقى أهل دمشق أيضا مرتين. في أواخر رجب و أوائل شعبان- و كان ذلك في آخر كانون الثاني- فلم يسقوا أيضا. و فيها أرسل السلطان جيشا إلى دنقلة فكسر جيش السودان و قتلوا منهم خلقا و أسروا شيئا كثيرا من السودان