البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٢ - ذكر ذهاب الخليفة إلى بغداد
و الرشيد، و المسترشد و المقتفى ولدا المستظهر، و أما ثلاثة فالأمين و المأمون و المعتصم أولاد الرشيد، و المنتصر و المعتز و المطيع أولاد المقتدر، و أما أربعة فأولاد عبد الملك بن مروان الوليد و سليمان و يزيد و هشام. و كانت مدة خلافته إلى أن فقد كما سيأتي خمسة أشهر و عشرين يوما، أقصر مدة من جميع خلفاء بنى العباس، و أما بنو أمية فكانت مدة خلافة معاوية بن يزيد بن معاوية أربعين يوما، و إبراهيم بن يزيد الناقص سبعين يوما، و أخوه يزيد بن الوليد خمسة أشهر. و كانت مدة خلافة الحسن بن على بعد أبيه سبعة أشهر و أحد عشر يوما. و كانت مدة مروان بن الحكم تسعة أشهر و عشرة أيام، و كان في خلفاء بنى العباس من لم يستكمل سنة منهم المنتصر بن المتوكل ستة أشهر، و المهتدي بن الواثق أحد عشر شهرا و أياما، و قد أنزل الخليفة هذا بقلعة الجبل في برج هو و حشمه، فلما كان يوم سابع رجب ركب في السواد و جاء إلى الجامع بالقلعة فصعد المنبر و خطب خطبة ذكر فيها شرف بنى العباس، ثم استفتح فقرأ صدرا من سورة الأنعام ثم صلى على النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) ثم ترضى عن الصحابة و دعا للسلطان الظاهر، ثم نزل فصلى بالناس فاستحسنوا ذلك منه، و كان وقتا حسنا و يوما مشهودا.
تولية الخليفة المستنصر باللَّه للملك الظاهر السلطنة
لما كان يوم الاثنين الرابع من شعبان، ركب الخليفة و السلطان و الوزير و القضاة و الأمراء و أهل الحل و العقد إلى خيمة عظيمة قد ضربت ظاهر القاهرة فجلسوا فيها، فألبس الخليفة السلطان بيده خلعة سوداء، و طوقا في عنقه، و قيدا في رجليه و هما من ذهب، و صعد فخر الدين إبراهيم بن لقمان و هو رئيس الكتاب منبرا فقرأ على الناس تقليد السلطان، و هو من إنشائه و بخط نفسه، ثم ركب السلطان بهذه الأبهة و القيد في رجليه، و الطوق في عنقه، و الوزير بين يديه، و على رأسه التقليد و الأمراء و الدولة في خدمته مشاة سوى الوزير، فشق القاهرة و قد زينت له، و كان يوما مشهودا، و قد ذكر الشيخ قطب الدين هذا التقليد بتمامه، و هو مطول و اللَّه أعلم.
ذكر ذهاب الخليفة إلى بغداد
ثم إن الخليفة طلب من السلطان أن يجهزه إلى بغداد، فرتب السلطان له جندا هائلة و أقام له من كل ما ينبغي للخلفاء و الملوك. ثم سار السلطان صحبته قاصدين دمشق، و كان سبب خروج السلطان من مصر إلى الشام، أن التركي كما تقدم كان قد استحوذ على حلب، فأرسل إليه الأمير علم الدين سنجر الحلبي الّذي كان قد تغلب على دمشق فطرده عن حلب و تسلمها، و أقام بها نائبا عن السلطان، ثم لم يزل التركي حتى استعادها منه و أخرجه منها هاربا، فاستناب الظاهر على مصر عز الدين أيد مر الحلبي و جعل تدبير المملكة إلى الوزير بهاء الدين بن الحنا، و أخذ ولده فخر الدين