البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨ - «فيها كانت وفاة العزيز صاحب مصر»
و شجاعته، و لما ولى الأفضل عزله عن القدس فترك بلاد الشام و انتقل إلى الموصل، فمات بها في هذه السنة.
ثم دخلت سنة خمس و تسعين و خمسمائة
«فيها كانت وفاة العزيز صاحب مصر»
و ذلك أنه خرج إلى الصيد فكانت ليلة الأحد العشرين من المحرم، ساق خلف ذئب فكبا به فرسه فسقط عنه فمات بعد أيام، و دفن بداره، ثم حول إلى عند تربة الشافعيّ، و له سبع أو ثمان و عشرون سنة، و يقال: إنه كان قد عزم في هذه السنة على إخراج الحنابلة من بلده، و يكتب إلى بقية إخوته بإخراجهم من البلاد، و شاع ذلك عنه و ذاع، و سمع ذلك منه و صرح به، و كل ذلك من معلميه و خلطائه و عشرائه من الجهمية، و قلة علمه بالحديث، فلما وقع منه هذا و نوى هذه النية القبيحة الفاسدة أهلكه اللَّه و دمره سريعا، و عظم قدر الحنابلة بين الخلق بمصر و الشام، عند الخاص و العام.
و قيل: إن بعض صالحيهم دعا عليه، فما هو إلا أن خرج إلى الصيد فكان هلاكه سريعا، و كتب الفاضل كتاب التعزية بالعزيز لعمه العادل، و هو محاصر ماردين و معه العساكر، و ولده محمد الكامل، و هو نائبة على بلاد الجزيرة المقاربة لبلاد الحيرة، و صورة الكتاب «أدام اللَّه سلطان مولانا الملك العادل، و بارك في عمره و أعلا أمره بأمره، و أعز نصر الإسلام بنصره، و فدت الأنفس نفسه الكريمة و أصغر اللَّه العظائم بنعمه فيه العظيمة، و أحياه اللَّه حياة طيبة هو و الإسلام في مواقيت الفتوح الجسيمة و ينقلب عنها بالأمور المسلمة و العواقب السليمة، و لا نقص له رجالا و لا أعدمه نفسا و لا ولدا، و لا قصر له ذيلا و لا يدا، و لا أسخن له عينا و لا كبدا، و لا كدر له خاطرا و لا موردا، و لما قدر اللَّه ما قدر من موت الملك العزيز كانت حياته مكدرة عليه منغصة مهملة، فلما حضر أجله كانت بديهة المصاب عظيمة، و طالعة المكروه أليمة، و إذا محاسن الوجه بليت تعفى الثرى عن وجهه الحسن، و كانت مدة مرضه بعد عوده من الفيوم أسبوعين، و كانت في الساعة السابعة من ليلة الأحد و العشرين من المحرم، و المملوك في حال تسطيرها مجموع بين مرض القلب و الجسد، و وجع أطراف و علة كبد، و قد فجع بهذا المولى و العهد بوالده غير بعيد، و الأسى عليه في كل يوم جديد». و لما توفى العزيز خلف من الولد عشرة ذكور، فعمد أمراؤه فملكوا عليهم ولده محمدا، و لقبوه بالمنصور، و جمهور الأمراء في الباطن مائلون إلى تمليك العادل، و لكنهم يستبعدون مكانه، فأرسلوا إلى الأفضل و هو بصرخد فأحضروه على البريد سريعا، فلما حضر عندهم منع رفدهم و وجدوا الكلمة مختلفة عليه، و لم يتم له ما صار إليه، و خامر عليه أكابر الأمراء الناصرية، و خرجوا من مصر فأقاموا ببيت المقدس و أرسلوا يستحثون الجيوش العادلية، فأقر ابن أخيه على السلطنة و نوه باسمه على السكة و الخطبة في سائر بلاد مصر، لكن استفاد الأفضل في سفرته هذه أن أخذ جيشا كثيفا من المصريين، و أقبل بهم ليسترد