البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣ - ثم دخلت سنة تسع و ثمانين و خمسمائة
القرآن و يلقنه الشهادة إذا جد به الأمر، فذكر أنه كان يقرأ عنده و هو في الغمرات فقرأ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ فقال: و هو كذلك صحيح. فلما أذن الصبح جاء القاضي الفاضل فدخل عليه و هو في آخر رمق، فلما قرأ القارئ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ تبسم و تهلل وجهه و أسلم روحه إلى ربه سبحانه، و مات (رحمه اللَّه)، و أكرم مثواه، و جعل جنات الفردوس مأواه، و كان له من العمر سبع و خمسون سنة، لأنه ولد بتكريت في شهور سنة ثنتين و ثلاثين و خمسمائة، (رحمه اللَّه)، فقد كان ردءا للإسلام و حرزا و كهفا من كيد الكفرة اللئام، و ذلك بتوفيق اللَّه له، و كان أهل دمشق لم يصابوا بمثل مصابه، و ود كل منهم لو فداه بأولاده و أحبابه و أصحابه، و قد غلقت الأسواق و احتفظ على الحواصل، ثم أخذوا في تجهيزه، و حضر جميع أولاده و أهله، و كان الّذي تولى غسله خطيب البلد الفقيه الدولعى، و كان الّذي أحضر الكفن و مؤنة التجهيز القاضي الفاضل من صلب ماله الحلال، هذا و أولاده الكبار و الصغار يتباكون و ينادون، و أخذ الناس في العويل و الانتحاب و الدعاء له و الابتهال، ثم أبرز جسمه في نعشه في تابوت بعد صلاة الظهر، و أم الناس عليه القاضي ابن الزكي ثم دفن في داره بالقلعة المنصورة، ثم شرع ابنه في بناء تربة له و مدرسة للشافعية بالقرب من مسجد القدم، لوصيته بذلك قديما، فلم يكمل بناؤها، و ذلك حين قدم ولده العزيز و كان محاصرا لأخيه الأفضل كما سيأتي بيانه، في سنة تسعين و خمسمائة، ثم اشترى له الأفضل دارا شمالي الكلاسة في زان ما زاده القاضي الفاضل في الكلاسة، فجعلها تربة، هطلت سحائب الرحمة عليها، و وصلت ألطاف الرأفة إليها. و كان نقله إليها في يوم عاشوراء سنة اثنتين و تسعين، و صلى عليه تحت النسر قاضى القضاة محمد بن على القرائبي ابن الزكي، عن إذن الأفضل، و دخل في لحده ولده الأفضل فدفنه بنفسه، و هو يومئذ سلطان الشام، و يقال إنه دفن معه سيفه الّذي كان يحضر به الجهاد، و ذلك عن أمر القاضي الفاضل، و تفاءلوا بأنه يكون معه يوم القيامة يتوكأ عليه، حتى يدخل الجنة إن شاء اللَّه. ثم عمل عزاؤه بالجامع الأموي ثلاثة أيام، يحضره الخاص و العام، و الرعية و الحكام، و قد عمل الشعراء فيه مراثي كثيرة من أحسنها ما عمله العماد الكاتب في آخر كتابه البرق السامي، و هي مائتا بيت و اثنان، و قد سردها الشيخ شهاب الدين أبو شامة في الروضتين، منها قوله:
شمل الهدى و الملك عم شتاته* * * و الدهر ساء و أقلعت حسناته
أين الّذي مذ لم يزل مخشية* * * مرجوة رهباته و هباته؟
أين الّذي كانت له طاعاتنا* * * مبذولة و لربه طاعاته؟
باللَّه أين الناصر الملك الّذي* * * للَّه خالصة صفت نياته؟
أين الّذي ما زال سلطانا لنا* * * يرجى نداه و تتقى سطواته؟