البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠ - و فيها توفى السلطان أبو محمد يعقوب بن يوسف
فتناظر هو و الرازيّ، و خرجا من المناظرة إلى السب و الشتم، فلما كان من الغد اجتمع الناس في المسجد الجامع، و قام واعظ فتكلم فقال في خطبته: أيها الناس، إنا لا نقول إلا ما صح عندنا عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و أما علم أرسطاطاليس و كفريات ابن سينا و فلسفة الفارابيّ و ما تلبس به الرازيّ فانا لا نعلمها و لا نقول بها، و إنما هو كتاب اللَّه و سنة رسوله، و لأى شيء يشتم بالأمس شيخ من شيوخ الإسلام يذب عن دين اللَّه و سنة رسوله، على لسان متكلم ليس معه على ما يقول دليل. قال فبكى الناس و ضجوا و بكت الكرامية و استغاثوا، و أعانهم على ذلك قوم من خواص الناس، و أنهوا إلى الملك صورة ما وقع، فأمر بإخراج الرازيّ من بلاده، و عاد إلى هراة، فلهذا أشرب قلب الرازيّ بغض الكرامية، و صار يلهج بهم في كلامه في كل موطن و مكان.
و فيها رضى الخليفة عن أبى الفرج ابن الجوزي شيخ الوعاظ، و قد كان أخرج من بغداد إلى واسط فأقام بها خمس سنين، فانتفع به أهلها و اشتغلوا عليه و استفادوا منه، فلما عاد إلى بغداد خلع عليه الخليفة و أذن له في الوعظ على عادته عند التربة الشريفة المجاورة لقبر معروف، فكثر الجمع جدا و حضر الخليفة و أنشد يومئذ فيما يخاطب به الخليفة:
لا تعطش الروض الّذي بنيته* * * بصوب إنعامك قد روضا
لا تبر عودا أنت قد رشته* * * حاشى لبانى المجد أن ينقضا
إن كان لي ذنب قد جنيته* * * فأستأنف العفو و هب لي الرضا
قد كنت أرجوك لنيل المنى* * * فاليوم لا أطلب إلا الرضا
و مما أنشده يومئذ:
شقينا بالنوى زمنا فلما* * * تلاقينا كأنا ما شقينا
سخطنا عند ما جنت الليالي* * * و ما زالت بنا حتى رضينا
و من لم يحى بعد الموت يوما* * * فانا بعد ما متنا حيينا
و في هذه السنة استدعى الخليفة الناصر قاضى الموصل ضياء الدين ابن الشهرزوريّ فولاه قضاء قضاة بغداد. و فيها وقعت فتنة بدمشق بسبب الحافظ عبد الغنى المقدسي، و ذلك أنه كان يتكلم في مقصورة الحنابلة بالجامع الأموي، فذكر يوما شيئا من العقائد، فاجتمع القاضي ابن الزكي و ضياء الدين الخطيب الدولعى بالسلطان المعظم، و الأمير صارم الدين برغش، فعقد له مجلسا فيما يتعلق بمسألة الاستواء على العرش و النزول و الحرف و الصوت، فوافق النجم الحنبلي بقية الفقهاء و استمر الحافظ على ما يقوله لم يرجع عنه، و اجتمع بقية الفقهاء عليه، و ألزموه بإلزامات شنيعة لم يلتزمها، حتى قال له الأمير برغش كل هؤلاء على الضلالة و أنت وحدك على الحق؟ قال: نعم،