البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٢ - جمال الدين الحصيري الحنفي
حمص، فمكث ثلاث سنين لا يرى الضوء. و كان ابن مرزوق محسنا إلى الجواد قبل ذلك إحسانا كثيرا. و سلط الجواد خادما لزوجته يقال له الناصح فصادر الدماشقة و أخذ منهم نحوا من ستمائة ألف دينار، و مسك الأمير عماد الدين بن الشيخ الّذي كان سبب تمليكه دمشق، ثم خاف من أخيه فخر الدين بن الشيخ الّذي بديار مصر، و قلق من ملك دمشق، و قال أيش أعمل بالملك؟ باز و كلب أحب إلى من هذا. ثم خرج إلى الصيد و كاتب الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل، فتقايضا من حصن كيفا و سنجار و ما تبع ذلك إلى دمشق، فملك الصالح دمشق و دخلها في مستهل جمادى الأولى من هذه السنة، و الجواد بين يديه بالغاشية، و ندم على ما كان منه، فأراد أن يستدرك الفائت فلم يتفق له، و خرج من دمشق و الناس يلعنونه بوجهه، بسبب ما أسداه إليهم من المصادرات، و أرسل إليه الصالح أيوب ليرد إلى الناس أموالهم فلم يلتفت إليه، و سار و بقيت في ذمته. و لما استقر الصالح أيوب في ملك مصر كما سيأتي حبس الناصح الخادم، فمات في أسوإ حالة، من القلة و القمل، جزاء وفاقا وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ و فيها ركب الصالح أيوب من دمشق في رمضان قاصدا الديار المصرية ليأخذها من أخيه العادل لصغره، فنزل بنابلس و استولى عليها و أخرجها من يد الناصر داود، و أرسل إلى عمه الصالح إسماعيل صاحب بعلبكّ ليقدم عليه ليكون في صحبته إلى الديار المصرية، و كان قد جاء إليه إلى دمشق ليبايعه فجعل يسوف به و يعمل عليه و يحالف الأمراء بدمشق ليكون ملكهم، و لا يتجاسر أحد من الصالح أيوب لجبروته أن يخبره بذلك، و انقضت السنة و هو مقيم بنابلس يستدعى إليه و هو يماطله.
و ممن توفى فيها من الأعيان
جمال الدين الحصيري الحنفي
محمود بن أحمد العلامة شيخ الحنفية بدمشق، و مدرس النورية، أصله من قرية يقال لها حصير من معاملة بخارى، تفقه بها و سمع الحديث الكثير، و صار إلى دمشق فانتهت إليه رياسة الحنفية بها، لا سيما في أيام المعظم، كان يقرأ عليه الجامع الكبير، و له عليه شرح، و كان يحترمه و يعظمه و يكرمه، و كان (رحمه اللَّه) غزير الدمعة كثير الصدقات، عاقلا نزها عفيفا، توفى يوم الأحد ثامن صفر و دفن بمقابر الصوفية تغمده اللَّه برحمته. توفى و له تسعون سنة، و أول درسه بالنورية في سنة إحدى عشر و ستمائة، بعد الشرف داود الّذي تولاها بعد البرهان مسعود، و أول مدرسيها (رحمهم اللَّه تعالى) الأمير عماد الدين عمر بن شيخ الشيوخ صدر الدين على بن حمويه، كان سببا في ولاية الجواد دمشق ثم سار إلى مصر فلامه صاحبها العادل بن الكامل بن العادل، فقال الآن أرجع إلى دمشق و آمر الجواد بالمسير إليك، على أن تكون له اسكندرية عوض دمشق، فان امتنع عزلته عنها و كنت أنا نائبك فيها، فنهاه أخوه فخر الدين بن الشيخ عن تعاطى ذلك فلم يقبل، و رجع إلى دمشق فتلقاه