البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩١ - ثم دخلت سنة تسع و سبعين و ستمائة
المصريين إلى قريب دمشق، فأمر الملك الكامل أن يضرب دهليزه بالجسورة، و ذلك في يوم الأربعاء ثانى عشر صفر، و نهض بنفسه و بمن معه فنزل هنالك و استخدم خلقا كثيرا و أنفق أموالا جزيلة، و انضاف إليه عرب الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا، و شهاب الدين أحمد بن حجى، و جاءته نجدة حلب و نجدة حماة و رجال كثيرة من رجال بعلبكّ، فلما كان يوم الأحد السادس عشر من صفر أقبل الجيش المصري صحبة الأمير علم الدين سنجر الحلبي، فلما تراءى الجمعان و تقابل الفريقان تقاتلوا إلى الرابعة في النهار، فقتل نفر كثير و ثبت الملك الكامل سنقر الأشقر ثباتا جيدا، و لكن خامر عليه الجيش فمنهم من صار إلى المصري و منهم من انهزم في كل وجه، و تفرق عنه أصحابه فلم يسعه إلا الانهزام على طريق المرح في طائفة يسيرة، في صحبة عيسى بن مهنا، فسار بهم إلى برية الرحبة فأنزلهم في بيوت من شعر، و أقام بهم و بدوابهم مدة مقامهم عنده، ثم بعث الأمراء الذين انهزموا عنه فأخذوا لهم أمانا من الأمير سنجر، و قد نزل في ظاهر دمشق و هي مغلوقة، فراسل نائب القلعة و لم يزل به حتى فتح باب الفرج من آخر النهار، و فتحت القلعة من داخل البلد فتسلمها للمنصور و أفرج عن الأمير ركن الدين بيبرس العجمي المعروف بالحالق، و الأمير لاجين حسام الدين المنصوري و غيرهم من الأمراء الذين كان قد اعتقلهم الأمير سنقر الأشقر، و أرسل سنجر البريدية إلى الملك المنصور يعلمونه بصورة الحال، و أرسل سنجر بثلاثة آلاف في طلب سنقر الأشقر.
و في هذا اليوم جاء ابن خلكان ليسلم على الأمير سنجر الحلبي فاعتقله في علو الخانقاه النجيبية، و عزله في يوم الخميس العشرين من صفر، و رسم للقاضي نجم الدين بن سنى الدولة بالقضاء فباشره، ثم جاءت البريدية معهم كتاب من الملك المنصور قلاوون بالعتب على طوائف الناس، و العفو عنه كلهم، فتضاعفت له الادعية، و جاء تقليد النيابة بالشام للأمير حسام الدين لاجين السلحدارى المنصوري، فدخل معه علم الدين سنجر الحلبي فرتبه في دار السعادة، و أمر سنجر القاضي ابن خلكان أن يتحول من المدرسة العادلية الكبيرة ليسكنها نجم الدين بن سنى الدولة، و ألح عليه في ذلك، فاستدعى جمالا لينقل أهله و ثقله عليها إلى الصالحية فجاء البريد بكتاب من السلطان فيه تقرير ابن خلكان على القضاء و العفو عنه و شكره و الثناء عليه، و ذكر خدمته المتقدمة، و معه خلعة سنية له فلبسها و صلى بها الجمعة و سلم على الأمراء فأكرموه و عظموه، و فرح الناس به و بما وقع من الصفح عنه.
و أما سنقر الأشقر فإنه لما خرجت العساكر في طلبه فارق الأمير عيسى بن مهنا و سار إلى السواحل فاستحوذ منها على حصون كثيرة، منها صهيون، و قد كان بها أولاده و حواصله، و حصن بلاطس و برزية و عكا و جبلة و اللاذقية، و الشفر بكاس و شيزر و استناب فيها الأمير عز الدين ازدمر الحاج. فأرسل السلطان المنصور لحصار شيزر طائفة من الجيش، فبينما هم كذلك إذ أقبلت