البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٧ - ثم دخلت سنة أربع و ستمائة
(رحمه اللَّه).
ثم دخلت سنة أربع و ستمائة
فيها رجع الحجاج إلى العراق و هم يدعون اللَّه و يشكون إليه ما لقوا من صدر جهان البخاري الحنفي، الّذي كان قدم بغداد في رسالة فاحتفل به الخليفة، و خرج إلى الحج في هذه السنة، فضيق على الناس في المياه و الميرة، فمات بسبب ذلك ستة آلاف من حجيج العراق، و كان فيما ذكروا يأمر غلمانه فتسبق إلى المناهل فيحجزون على المياه و يأخذون الماء فيرشونه حول خيمته في قيظ الحجاز و يسقونه للبقولات التي كانت تحمل معه في ترابها، و يمنعون منه الناس و ابن السبيل، الآمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم و رضوانا، فلما رجع مع الناس لعنته العامة و لم تحتفل به الخاصة و لا أكرمه الخليفة و لا أرسل إليه أحدا، و خرج من بغداد و العامة من ورائه يرجمونه و يلعنونه، و سماه الناس صدر جهنم، نعوذ باللَّه من الخذلان، و نسأله أن يزيدنا شفقة و رحمة لعباده، فإنه إنما يرحم من عباده الرحماء. و فيها قبض الخليفة على وزيره ابن مهدي العلويّ، و ذلك أنه نسب إليه أنه يروم الخلافة، و قيل غير ذلك من الأسباب، و المقصود أنه حبس بدار طاشتكين حتى مات بها، و كان جبارا عنيدا، حتى قال بعضهم فيه:
خليلي قولا للخليفة و انصحا* * * توق وقيت السوء ما أنت صانع
وزيرك هذا بين أمرين فيهما* * * صنيعك يا خير البرية ضائع
فان كان حقا من سلالة حيدر* * * فهذا وزير في الخلافة طامع
و إن كان فيما يدعى غير صادق* * * فاضيع ما كانت لديه الصنائع
و قيل: إنه كان عفيفا عن الأموال حسن السيرة جيد المباشرة فاللَّه أعلم بحاله. و في رمضان منها رتب الخليفة عشرين دارا للضيافة يفطر فيها الصائمون من الفقراء، يطبخ لهم في كل يوم فيها طعام كثير و يحمل إليها أيضا من الخبز النقي و الحلواء شيء كثير، و هذا الصنيع يشبه ما كانت قريش تفعله من الرفادة في زمن الحج، و كان يتولى ذلك عمه أبو طالب، كما كان العباس يتولى السقاية، و قد كانت فيهم السفارة و اللواء و الندوة له، كما تقدم بيان ذلك في مواضعه، و قد صارت هذه المناصب كلها على أتم الأحوال في الخلفاء العباسيين. و فيها أرسل الخليفة الشيخ شهاب الدين الشهرزوريّ و في صحبته سنقر السلحدار إلى الملك العادل بالخلعة السنية، و فيها الطوق و السواران، و إلى جميع أولاده بالخلع أيضا. و فيها ملك الأوحد بن العادل صاحب ميافارقين مدينة خلاط بعد قتل صاحبها شرف الدين بكتمر، و كان شابا جميل الصورة جدا، قتله بعض مماليكهم [١] ثم قتل القاتل أيضا، فخلا البلد عن ملك فأخذها الأوحد بن العادل.
و فيها ملك خوارزم شاه محمد بن تكش بلاد ما وراء النهر بعد حروب طويلة. اتفق له في بعض
[١] اسمه: الهزاردينارى (انظر النجوم ج ٦ ص ١٨٨).