البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤١ - أبو الحسن على بن عنتر بن ثابت الحلي
بعد أبيه الناصر كما سيأتي في سنة ثلاث و عشرين و ستمائة.
و فيها وقع حريق عظيم بدار الخلافة في خزائن السلاح، فاحترق من ذلك شيء كثير من السلاح و الأمتعة و المساكن ما يقارب قيمته أربعة آلاف ألف دينار، و شاع خبر هذا الحريق في الناس، فأرسلت الملوك من سائر الأقطار هدايا أسلحة إلى الخليفة عوضا عن ذلك و فوقه من ذلك شيئا كثيرا.
و فيها عاثت الكرج ببلاد المسلمين فقتلوا خلقا، و أسروا آخرين. و فيها وقعت الحرب بين أمير مكة قتادة الحسيني، و بين أمير المدينة سالم بن قاسم الحسيني، و كان قتادة قد قصد المدينة فحصر سالما فيها، فركب إليه سالم بعد ما صلى عند الحجرة فاستنصر اللَّه عليه، ثم برز إليه فكسره و ساق وراءه إلى مكة فحصره بها، ثم إن قتادة أرسل إلى أمراء سالم فأفسدهم عليه فكر سالم راجعا إلى المدينة سالما.
و فيها ملك غياث الدين كنجشرى بن قلج أرسلان بن مسعود بن قلج بلاد الروم و استلبها من ابن أخيه، و استقر هو بها و عظم شأنه و قويت شوكته، و كثرت عساكره و أطاعه الأمراء و أصحاب الأطراف، و خطب له الأفضل بن صلاح الدين بسميساط، و سار إلى خدمته. و اتفق في هذه السنة أن رجلا ببغداد نزل إلى دجلة يسبح فيها و أعطى ثيابه لغلامه فغرق في الماء فوجد في ورقة بعمامته هذه الأبيات:
يا أيها الناس كان لي أمل قصر بى عن بلوغه الأجل
فليتق اللَّه ربه رجل* * * أمكنه في حياته العمل
ما أنا وحدي بفناء بيت* * * يرى كل إلى مثله سينتقل
و فيها توفى من الأعيان.
أبو الحسن على بن عنتر بن ثابت الحلي
المعروف بشميم، كان شيخا أديبا لغويا شاعرا جمع من شعره حماسة كان يفضلها على حماسة أبى تمام، و له خمريات يزعم أنها أفحل من التي لأبى نواس. قال أبو شامة في الذيل: كان قليل الدين ذا حماقة و رقاعة و خلاعة، و له حماسة و رسائل. قال ابن الساعي: قدم بغداد فأخذ النحو عن ابن الخشاب، حصل منه طرفا صالحا، و من اللغة و أشعار العرب، ثم أقام بالموصل حتى توفى بها. و من شعره:
لا تسرحن الطرف في مقل المها* * * فمصارع الآجال في الآمال
كم نظرة أردت و ما أخرت* * * يد كم قبلت أوان قتال
سنحت و ما سمحت بتسليمة* * * و أغلال التحية فعلة المحتال
و له في التجنيس:
ليت من طول بالشأم* * * ثواه و ثوابه
*
جعل العود إلى الزوراء* * * من بعض ثوابه