البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٨ - ثم دخلت سنة أربع و ستمائة
المواقف أمر عجيب، و هو أن المسلمين انهزموا عن خوارزم شاه و بقي معه عصابة قليلة من أصحابه، فقتل منهم كفار الخطا من قتلوا، و أسروا خلقا منهم، و كان السلطان خوارزم شاه في جملة من أسروا، أسره رجل و هو لا يشعر به و لا يدرى أنه الملك، و أسر معه أميرا يقال له مسعود، فلما وقع ذلك و تراجعت العساكر الإسلامية إلى مقرها فقدوا السلطان فاختبطوا فيما بينهم و اختلفوا اختلافا كثيرا و انزعجت خراسان بكمالها، و من الناس من حلف أن السلطان قد قتل، و أما ما كان من أمر السلطان و ذاك الأمير فقال الأمير للسلطان: من المصلحة أن تترك اسم الملك عنك في هذه الحالة، و تظهر أنك غلام لي، فقبل منه ما قال و أشار به، ثم جعل الملك يخدم ذلك الأمير يلبسه ثيابه و يسقيه الماء و يصنع له الطعام و يضعه بين يديه، و لا يألو جهدا في خدمته، فقال الّذي أسرهما: إني أرى هذا يخدمك فمن أنت؟ فقال: أنا مسعود الأمير، و هذا غلامي، فقال: و اللَّه لو علم الأمراء أنى قد أسرت أميرا و أطلقته لأطلقتك، فقال له: إني إنما أخشى على أهلي، فإنهم يظنون أنى قد قتلت و يقيمون المأتم، فان رأيت أن تفادينى على مال و ترسل من يقبضه منهم فعلت خيرا، فقال: نعم، فعين رجلا من أصحابه فقال له الأمير مسعود: إن أهلي لا يعرفون هذا و لكن إن رأيت أن أرسل معه غلامي هذا فعلت ليبشرهم بحياتي فإنهم يعرفونه، ثم يسعى في تحصيل المال، فقال: نعم، فجهز معهما من يحفظهما إلى مدينة خوارزم شاه. فلما دنوا من مدينة خوارزم سبق الملك إليها. فلما رآه الناس فرحوا به فرحا شديدا، و دقت البشائر في سائر بلاده، و عاد الملك إلى نصابه، و استقر السرور بايابه، و أصلح ما كان و هي من مملكته بسبب ما اشتهر من قتله، و حاصر هراة و أخذها عنوة. و أما الّذي كان قد أسره فإنه قال يوما للأمير مسعود الّذي يتوجه لي و ينوهون به أن خوارزم شاه قد قتل، فقال: لا، هو الّذي كان في أسرك، فقال له: فهلا أعلمتنى به حتى كنت أرده موقرا معظما؟ فقال: خفتك عليه، فقال: سر بنا إليه، فسارا إليه فأكرمهما إكراما زائدا، و أحسن إليهما. و أما غدر صاحب سمرقند فإنه قتل كل من كان في أسره من الخوارزمية، حتى كان الرجل يقطع قطعتين و يعلق في السوق كما تعلق الأغنام، و عزم على قتل زوجته بنت خوارزم شاه ثم رجع عن قتلها و حبسها في قلعة و ضيق عليها، فلما بلغ الخبر إلى خوارزم شاه سار إليه في الجنود فنازله و حاصر سمرقند فأخذها قهرا و قتل من أهلها نحوا من مائتي ألف، و أنزل الملك من القلعة و قتله صبرا بين يديه، و لم يترك له نسلا و لا عقبا، و استحوذ خوارزم شاه على تلك الممالك التي هنالك، و تحارب الخطا و ملك التتار كشلى خان المتاخم لمملكة الصين، فكتب ملك الخطا لخوارزم شاه يستنجده على التتار و يقول: متى غلبونا خلصوا إلى بلادك، و كذا و كذا. و كتب التتار إليه أيضا يستنصرونه على الخطا و يقولون: هؤلاء أعداؤنا و أعداؤك، فكن معنا عليهم، فكتب إلى