البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩٤ - ثم دخلت سنة ثمان عشرة و ستمائة
الخمار بها فإذا خل فقال له الخمار: ويحك هذا خل، فقال النصراني أنا أعرف من أين أتيت، ثم ربط الدابة في خان و رجع إلى الصالحية فسأل عن الشيخ فعرفه فجاء إليه فأسلم على يديه، و له أحوال و كرامات كثيرة جدا، و كان لا يقوم لأحد دخل عليه و يقول: إنما يقوم الناس لرب العالمين، و كان الأمجد إذا دخل عليه جلس بين يديه فيقول له: يا أمجد فعلت كذا و كذا و يأمره بما يأمره، و ينهاه عما ينهاه عنه، و هو يمتثل جميع ما يقوله له، و ما ذاك إلا لصدقه في زهده و ورعه و طريقه، و كان يقبل الفتوح، و كان لا يدخر منه شيئا لغد، و إذا اشتد جوعه أخذ من ورق اللوز ففركه و استفه و يشرب فوقه الماء البارد (رحمه اللَّه تعالى) و أكرم مثواه، و ذكروا أنه كان يحج في بعض السنين في الهواء، و قد وقع هذا لطائفة كبيرة من الزهاد و صالحي العباد، و لم يبلغنا هذا عن أحد من أكابر العلماء، و أول من يذكر عنه هذا حبيب العجمي، و كان من أصحاب الحسن البصري، ثم من بعده من الصالحين (رحمهم اللَّه) أجمعين. فلما كان يوم جمعة من عشر ذي الحجة من هذه السنة صلى الصبح عبد اللَّه اليونينى و صلاة الجمعة بجامع بعلبكّ، و كان قد دخل الحمام يومئذ قبل الصلاة و هو صحيح، فلما انصرف من الصلاة قال للشيخ داود المؤذن، و كان يغسل الموتى، انظر كيف تكون غدا، ثم صعد الشيخ إلى زاويته فبات يذكر اللَّه تعالى تلك الليلة و يتذكر أصحابه، و من أحسن إليه و لو بأدنى شيء و يدعو لهم، فلما دخل وقت الصبح صلى بأصحابه ثم استند يذكر اللَّه و في يده سبحة، فمات و هو كذلك جالس لم يسقط، و لم تسقط السبحة من يده، فلما انتهى الخبر إلى الملك الأمجد صاحب بعلبكّ فجاء إليه فعاينه كذلك فقال لو بنينا عليه بنيانا هكذا يشاهد الناس منه آية، فقيل له: ليس هذا من السنة، فنحى و كفن و صلى عليه و دفن تحت اللوزة التي كان يجلس تحتها يذكر اللَّه تعالى، (رحمه اللَّه) و نور ضريحه. و كانت وفاته يوم السبت و قد جاوز ثمانين عاما أكرمه اللَّه تعالى، و كان الشيخ محمد الفقيه اليونينى من جملة تلاميذه، و ممن يلوذ به و هو جد هؤلاء المشايخ بمدينة بعلبكّ.
أبو عبد اللَّه الحسين بن محمد بن أبى بكر
المجلي الموصلي، و يعرف بابن الجهنيّ، شاب فاضل ولى كتابة الإنشاء لبدر الدين لؤلؤ زعيم الموصل، و من شعره:
نفسي فداء الّذي فكرت فيه و قد* * * غدوت أغرق في بحر من العجب
يبدو بليل على صبح على قمر* * * على قضيب على و هم على كثب
ثم دخلت سنة ثمان عشرة و ستمائة
فيها استولت التتر على كثير من البلدان بكلادة و همذان و أردبيل و تبريز و كنجة، و قتلوا أهاليها و نهبوا ما فيها، و استأسروا ذراريها، و اقتربوا من بغداد فانزعج الخليفة لذلك و حصن