البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٨ - ابن عطاء الحنفي
من عاقل و لا فاضل. و قد ذكره بعض البغاددة فأثنى عليه، و قال: كان عاقلا فاضلا كريم الأخلاق و دفن في مشهد موسى بن جعفر في سرداب كان قد أعد للخليفة الناصر لدين اللَّه، و هو الّذي كان قد بنى الرصد بمراغة، و رتب فيه الحكماء من الفلاسفة و المتكلمين و الفقهاء و المحدثين و الأطباء و غيرهم من أنواع الفضلاء، و بنى له فيه قبة عظيمة، و جعل فيه كتبا كثيرة جدا، توفى في بغداد في ثانى عشر ذي الحجة من هذه السنة، و له خمس و سبعون سنة، و له شعر جيد قوى و أصل اشتغاله على المعين سالم بن بدار بن على المصري المعتزلي المتشيع، فنزع فيه عروق كثيرة منه، حتى أفسد اعتقاده.
الشيخ سالم البرقي
صاحب الرباط بالقرافة الصغرى، كان صالحا متعبدا يقصد للزيارة و التبرك بدعائه، و له اليوم أصحاب معروفون على طريقه.
ثم دخلت سنة ثلاث و سبعين و ستمائة
فيها اطلع السلطان على ثلاثة عشر أميرا منهم قجقار الحموي، و قد كانوا كاتبوا التتر يدعونهم إلى بلاد المسلمين، و أنهم معهم على السلطان، فأخذوا فأقروا بذلك، و جاءت كتبهم مع البريدية و كان آخر العهد بهم. و فيها أقبل السلطان بالعساكر فدخل بلاد سيس يوم الاثنين الحادي و العشرين من رمضان، فقتلوا خلقا لا يعلمهم إلا اللَّه و غنموا شيئا كثيرا من الأبقار و الأغنام و الأثقال و الدواب و الأنعام، فبيع ذلك بأرخص ثمن، ثم عاد فدخل دمشق مؤيدا منصورا في شهر ذي الحجة فأقام بها حتى دخلت السنة. و فيها ثار على أهل الموصل رمل حتى عم الأفق و خرجوا من دورهم يبتهلون إلى اللَّه حتى كشف ذلك عنهم، و اللَّه تعالى أعلم.
و ممن توفى فيها من الأعيان
ابن عطاء الحنفي
قاضى القضاة شمس الدين أبو محمد عبد اللَّه بن الشيخ شرف الدين محمد بن عطاء بن حسن بن عطاء بن جبير بن جابر بن وهيب الأذرعي الحنفي، ولد سنة خمس و تسعين و خمسمائة، سمع الحديث و تفقه على مذهب أبى حنيفة، و ناب في الحكم عن الشافعيّ مدة، ثم استقل بقضاء الحنفية أول ما ولى القضاة من المذاهب الأربعة، و لما وقعت الحوطة على أملاك الناس أراد السلطان منه أن يحكم بها بمقتضى مذهبه، فغضب من ذلك فقال: هذه أملاك بيد أصحابها، و ما يحل لمسلم أن يتعرض لها ثم نهض من المجلس فذهب، فغضب السلطان من ذلك غضبا شديدا، ثم سكن غضبه فكان يثنى عليه بعد ذلك و يمدحه، و يقول: لا تثبتوا كتبا إلا عنه. كان ابن عطاء من العلماء الأخيار كثير التواضع قليل الرغبة في الدنيا، روى عنه ابن جماعة و أجاز للبرزالى. توفى يوم الجمعة تاسع جمادى الأولى، و دفن بالقرب من المعظمية بسفح قاسيون (رحمه اللَّه تعالى).