البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣٤ - ابن معطي النحويّ يحيى
يحسبنى القاضي، فلما وصلت باب البريد عند دار سيف خلعت الطيلسان و جعلته في كمي و تباطأت في المشي، فالتفت فلم ير وراءه أحدا، فقال لي: أين القاضي؟ فأشرت إلى ناحية النورية و قلت:
ذهب إلى داره، فلما أسرع إلى ناحية النورية هرولت إلى المدرسة الأمينية و استرحت منه. قال ابن الساعي كان مولده سنة ستين و خمسمائة، و خلف أموالا كثيرة ورثتها عصبته، قال: و كانت له معرفة حسنة بالأخبار و التواريخ و أيام الناس، مع دين و صلاح و ورع، و أورد له ابن الساعي قطعا من شعره فمن ذلك قوله:
قيل لي من هويت قد عبث الشعر* * * في خديه. قلت ما ذاك عاره
حمرة الخد أحرقت عنبر الخال* * * فمن ذاك الدخان عذاره
و له
شوقي إليكم دون أشواقكم* * * لكن لا بد أن يشرح
لأننى عن قلبكم غائب* * * و أنتم في القلب لن تبرحوا
أبو عبد اللَّه محمد بن على
ابن محمد بن الجارود الماراني، الفقيه الشافعيّ، أحد الفضلاء، ولى القضاء بإربل و كان ظريفا خليعا، و كان من محاسن الأيام، و له أشعار رائقة و معان فائقة منها قوله:
مشيب أتى و شباب رحل* * * أحل العناية حيث حل
و ذنبك جم، ألا فارجعى* * * و عودي فقد حان وقت الأجل
و ديني الآله و لا تقصرى* * * و لا يخدعنك طول الأمل
أبو الثناء محمود بن رالي
ابن على بن يحيى الطائي الرقى نزيل إربل، و ولى النظر بها للملك مظفر الدين، و كان شيخا أديبا فاضلا، و من شعره قوله:
و أهيف ما الخطى إلا قوامه* * * و ما الغصن إلا ما يثنيه لينه
و ما الدعص إلا ما تحمل خصره* * * و ما النبل الا ما تريش جفونه
و ما الخمر إلا ما يروق ثغره* * * و ما السحر إلا ما تكن عيونه
و ما الحسن إلا كله فمن الّذي* * * إذا ما رآه لا يزيد جنونه
ابن معطي النحويّ يحيى
ترجمه أبو شامة في السنة الماضية، و هو أضبط لأنه شهد جنازته بمصر، و أما ابن الساعي فإنه ذكره في هذه السنة، و قال إنه كان حظيا عند الكامل محمد صاحب مصر، و إنه كان قد نظم أرجوزة في القراءات السبع، و نظم ألفاظ الجمهرة، و كان قد عزم على نظم صحاح الجوهري.