البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٥ - المعتمد والى دمشق
بعض الورثة بمصالحة بيت المال، و أنه استناب ولده التاج محمدا و لم يكن مرضى الطريقة، و أما هو فكان عفيفا في نفسه نزها مهيبا. قال أبو شامة: و كان يدعى أنه قرشي شيبى فتكلم الناس فيه بسبب ذلك، و تولى القضاء بعده شمس الدين أحمد بن الخليلي الجويني. قلت: و كانت وفاته في ربيع الأول من هذه السنة، و دفن بداره التي في رأس درب الريحان من ناحية الجامع، و لتربته شباك شرق المدرسة الصدرية اليوم، و قد قال فيه ابن عنين و كان هجاء.
ما أقصر المصري في فعله* * * إذ جعل التربة في داره
أراح للاحياء من رجمه* * * و أبعد الأموات من ناره
المعتمد والى دمشق
المبارز إبراهيم المعروف بالمعتمد والى دمشق، من خيار الولاة و أعفهم و أحسنهم سيرة و أجودهم سريرة، أصله من الموصل، و قدم الشام فخدم فروخ شاه بن شاهنشاه بن أيوب، ثم استنابه البدر مودود أخو فروخ شاه، و كان شحنة دمشق، فحمدت سيرته في ذلك، ثم صار هو شحنة دمشق أربعين سنة، فجرت في أيامه عجائب و غرائب، و كان كثير الستر على ذوى الهيئات، و لا سيما من كان من أبناء الناس و أهل البيوتات، و اتفق في أيامه أن رجلا حائكا كان له ولد صغير في آذانه حلق فعدا عليه رجل من جيرانهم فقتله غيلة و أخذ ما عليه من الحلي و دفنه في بعض المقابر، فاشتكوا عليه فلم يقر، فبكت والدته من ذلك و سألت زوجها أن يطلقها، فطلقها فذهبت إلى ذلك الرجل و سألته أن يتزوجها و أظهرت له أنها أحبته فتزوجها، و مكثت عنده حينا، ثم سألته في بعض الأوقات عن ولدها الّذي اشتكوا عليه بسببه فقال: نعم أنا قتلته. فقالت أشتهى أن تريني قبره حتى انظر إليه، فذهب بها إلى قبر خشنكاشة ففتحه فنظرت إلى ولدها فاستعبرت و قد أخذت معها سكينا أعدتها لهذا اليوم، فضربته حتى قتلته و دفنته مع ولدها في ذلك القبر، فجاء أهل المقبرة فحملوها إلى الوالي المعتمد هذا فسألها فذكرت له خبرها، فاستحسن ذلك منها و أطلقها و أحسن إليها، و حكى عنه السبط قال بينما أنا يوما خارج من باب الفرج و إذا برجل يحمل طبلا و هو سكران فأمرت به فضرب الحد، و أمرتهم فكسروا الطبل، و إذا ذكرة كبيرة جدا فشقوها [فإذا فيها خمر] و كان العادل قد منع أن يعصر خمر و يحمل إلى دمشق شيء منه بالكلية، فكان الناس يتحيلون بأنواع الحيل و لطائف المكر، قال السبط فسألته من أين علمت أن في الطبل شيئا. قال رأيته يمشى ترجف سيقانه فعرفت أنه يحمل شيئا ثقيلا في الطبل. و له من هذا الجنس غرائب، و قد عزله المعظم و كان في نفسه منه و سجنه في القلعة نحوا من خمس سنين، و نادى عليه في البلد فلم يجئ أحد ذكر أنه أخذ منه حبة خردل، و لما مات (رحمه اللَّه) دفن بتربته المجاورة لمدرسة أبى عمر من شامها قبلي السوق، و له عند تربته مسجد