البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٦ - سنة ستمائة من الهجرة النبويّة
الشيخ أبو البركات (محمد بن أحمد بن سعيد التكريتي) يعرف بالمؤيد، كان أديبا شاعرا. و مما نظمه في الوجيه النحويّ حين كان حنبليا فانتقل حنفيا، ثم صار شافعيا، نظم ذلك في حلقة النحو بالنظاميّة فقال:
ألا مبلغا عنى الوجيه رسالة* * * و إن كان لا تجدى لديه الرسائل
تمذهبت للنعمان بعد ابن حنبل* * * و ذلك لما أعوزتك المآكل
و ما اخترت قول الشافعيّ ديانة* * * و لكنما تهوى الّذي هو حاصل
و عما قليل أنت لا شك صائر* * * إلى مالك فانظر إلى ما أنت قائل؟
الست الجليلة زمرد خاتون
أم الخليفة الناصر لدين اللَّه زوجة المستضيء، كانت صالحة عابدة كثيرة البر و الإحسان و الصلات و الأوقاف، و قد بنت لها تربة إلى جانب قبر معروف، و كانت جنازتها مشهورة جدا، و استمر العزاء بسببها شهرا، عاشت في خلافة ولدها أربعا و عشرين سنة نافذة الكلمة مطاعة الأوامر.
و فيها كان مولد الشيخ شهاب الدين أبى شامة، و قد ترجم نفسه عند ذكر مولده في هذه السنة في الذيل ترجمة مطولة، فينقل إلى سنة وفاته، و ذكر بدو أمره، و اشتغاله و مصنفاته و شيئا كثيرا من شعاره، و ما رئي له من المنامات المبشرة. و فيها كان ابتداء ملك جنكيزخان ملك التتار، عليه من اللَّه ما يستحقه، و هو صاحب الباسق وضعها ليتحاكموا إليها- يعنى التتار و من معهم من أمراء الترك- ممن يبتغى حكم الجاهلية- و هو والد تولى، و جد هولاكو بن تولى- الّذي قتل الخليفة المستعصم و أهل بغداد في سنة ست و خمسين و ستمائة كما سيأتي بيانه إن شاء اللَّه تعالى في موضعه.
و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم.
سنة ستمائة من الهجرة النبويّة
في هذه السنة كانت الفرنج قد جمعوا خلقا منهم ليستعيدوا بيت المقدس من أيدي المسلمين، فأشغلهم اللَّه عن ذلك بقتال الروم، و ذلك أنهم اجتازوا في طريقهم بالقسطنطينية فوجدوا ملوكها قد اختلفوا فيما بينهم، فحاصروها حتى فتحوها قسرا، و أباحوها ثلاثة أيام قتلا و أسرا، و أحرقوا أكثر من ربعها، و ما أصبح أحد من الروم في هذه الأيام الثلاثة إلا قتيلا أو فقيرا أو مكبولا أو أسيرا، و لجأ عامة من بقي منها إلى كنيستها العظمى المسماة باياصوفيا، فقصدهم الفرنج فخرج إليهم القسيسون بالأناجيل ليتوسلوا إليهم و يتلوا ما فيها عليهم، فما التفتوا إلى شيء من ذلك، بل قتلوهم أجمعين أكتعين أبصعين و أخذوا ما كان في الكنيسة من الحلي و الأذهاب و الأموال التي لا تحصى و لا