البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٩ - ذكر شيء من ترجمة الصالح إسماعيل «أبي الحسن واقف تربة الصالح»
لهم صبيا من بنى أيوب ابن عشر سنين و هو الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن الناصر يوسف ابن المسعود أقسيس بن الكامل، و جعلوا المعز أتابكه فكانت السكة و الخطبة بينهما، و كاتبوا أمراء الشام بذلك، فما تم لهم الأمر بالشام، بل خرج عن أيديهم و لم تستقر لهم المملكة إلا على الديار المصرية، و كل ذلك عن أمر الخاتون شجرة الدر أم خليل حظية الصالح أيوب، فتزوجت بالمعز، و كانت الخطبة و السكة لها، يدعى لها على المنابر أيام الجمع بمصر و أعمالها، و كذا تضرب السكة باسمها أم خليل، و العلامة على المناشير و التواقيع بخطها و اسمها، مدة ثلاثة أشهر قبل المعز، ثم آل أمرها إلى ما سنذكره من الهوان و القتل.
ذكر ملك الناصر بن العزيز بن الظاهر صاحب حلب لدمشق (رحمهما اللَّه تعالى)
لما وقع بالديار المصرية من قتل الأمراء للمعظم توران شاه بن الصالح أيوب ركب الحلبيون معهم ابن أستاذهم الناصر يوسف بن العزيز محمد بن الظاهر غازى بن الناصر يوسف فاتح بيت المقدس، و من كان عندهم من ملوك بنى أيوب منهم الصالح إسماعيل بن العادل، و كان أحق الموجودين بالملك، من حيث السن و التعدد و الحرمة و الرئاسة، و منهم الناصر داود بن المعظم بن العادل، و الأشرف موسى بن المنصور إبراهيم بن أسد الدين شيركوه، الّذي كان صاحب حمص و غيرهم، فجاءوا إلى دمشق فحاصروها فملكوها سريعا، و نهبت دار ابن يغمور و حبس في القلعة و تسلموا ما حولها كبعلبك و بصرى و الصلت و صرخد، و امتنعت عليهم الكرك و الشوبك بالملك المغيث عمر بن العادل بن الكامل، كان قد تغلب عليهما في هذه الفتنة حين قتل المعظم توران شاه، فطلبه المصريون ليملكوه عليهم فخاف مما حل بابني عمه، فلم يذهب إليهم. و لما استقرت يد الحلبيين على دمشق و ما حولها جلس الناصر في القلعة و طيب قلوب الناس، ثم ركبوا إلى غزة ليتسلموا الديار المصرية، فبرز إليهم الجيش المصري فاقتتلوا معهم أشد القتال، فكسر المصريون أولا بحيث إنه خطب للناصر في ذلك بها، ثم كانت الدائرة على الشاميين فانهزموا و أسروا من أعيانهم خلقا كثيرا، و عدم من الجيش الصالح إسماعيل (رحمه اللَّه تعالى)، و قد أنشد هنا الشيخ أبو شامة لبعضهم:
ضيع إسماعيل أموالنا* * * و خرب المغنى بلا معنى
و راح من جلق هذا جزاء* * * من أفقر الناس و ما استغنى
ذكر شيء من ترجمة الصالح إسماعيل «أبي الحسن واقف تربة الصالح»
و قد كان الصالح (رحمه اللَّه) ملكا عاقلا حازما تتقلب به الأحوال أطوارا كثيرة، و قد كان الأشرف أوصى له بدمشق من بعده، فملكها شهورا ثم انتزعها منه أخوه الكامل، ثم ملكها من يد الصالح أيوب خديعة و مكرا، فاستمر فيها أزيد من أربع سنين، ثم استعادها منه الصالح أيوب