البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٩ - ثم دخلت سنة سبع عشرة و ستمائة
ألف دينار، و ألف حمل من الأطلس و غيره و عشرون ألف فرس و بغل، و من الغلمان و الجواري و الخيام شيئا كثيرا، و كان له عشرة آلاف مملوك كل واحد مثل ملك، فتمزق ذلك كله، و قد كان خوارزم شاه فقيها حنفيا فاضلا له مشاركات في فنون من العلم، يفهم جيدا، و ملك بلادا متسعة و ممالك متعددة إحدى و عشرين سنة و شهورا، و لم يكن بعد ملوك بنى سلجوق أكثر حرمة منه و لا أعظم ملكا منه، لأنه إنما كانت همته في الملك لا في اللذات و الشهوات، و لذلك قهر الملوك بتلك الأراضي و أحل بالخطا بأسا شديدا، حتى لم يبق ببلاد خراسان و ما وراء النهر و عراق العجم و غيرها من الممالك سلطان سواه، و جميع البلاد تحت أيدي نوابه. ثم ساروا إلى مازندران و قلاعها من أمنع القلاع، بحيث إن المسلمين لم يفتحوها إلا في سنة تسعين من أيام سليمان بن عبد الملك، ففتحها هؤلاء في أيسر مدة و نهبوا ما فيها و قتلوا أهاليها كلهم و سبوا و أحرقوا، ثم ترحلوا عنها نحو الري فوجدوا في الطريق أم خوارزم شاه و معها أموال عظيمة جدا، فأخذوها و فيها كل غريب و نفيس مما لم يشاهد مثله من الجواهر و غيرها، ثم قصدوا الري فدخلوها على حين غفلة من أهلها فقتلوهم و سبوا و أسروا، ثم ساروا إلى همذان فملكوها ثم إلى زنجان فقتلوا و سبوا، ثم قصدوا قزوين فنهبوها و قتلوا من أهلها نحوا من أربعين ألفا، ثم تيمموا بلاد أذربيجان فصالحهم ملكها أزبك بن البهلوان على مال حمله إليهم لشغله بما هو فيه من السكر و ارتكاب السيئات و الانهماك على الشهوات، فتركوه و ساروا إلى موقان فقاتلهم الكرج في عشرة آلاف مقاتل فلم يقفوا بين أيديهم طرفة عين حتى انهزمت الكرج فأقبلوا إليهم بحدهم و حديدهم، فكسرتهم التتار وقعة ثانية أقبح هزيمة و أشنعها. و هاهنا قال ابن الأثير: و لقد جرى لهؤلاء التتر ما لم يسمع بمثله من قديم الزمان و حديثه: طائفة تخرج من حدود الصين لا تنقضي عليهم سنة حتى يصل بعضهم إلى حدود بلاد أرمينية من هذه الناحية و يجاوزون العراق من ناحية همذان و تاللَّه لا أشك أن من يجيء بعدنا إذا بعد العهد و يرى هذه الحادثة مسطورة ينكرها و يستبعدها، و الحق بيده، فمتى استبعد ذلك فلينظر أننا سطرنا نحن و كل من جمع التاريخ في أزماننا هذه في وقت كل من فيه يعلم هذه الحادثة، قد استوى في معرفتها العالم و الجاهل لشهرتها، يسر اللَّه للمسلمين و الإسلام من يحفظهم و يحوطهم، فلقد دفعوا من العدو إلى أمر عظيم، و من الملوك المسلمين إلى من لا تتعدى همته بطنه و فرجه، و قد عدم سلطان المسلمين خوارزم شاه. قال: و انقضت هذه السنة و هم في بلاد الكرج، فلما رأوا منهم ممانعة و مقاتلة يطول عليهم بها المطال عدلوا إلى غيرهم، و كذلك كانت عادتهم فساروا إلى تبريز فصالحهم أهلها بمال. ثم ساروا إلى مراغة فحصروها و نصبوا عليها المجانيق و تترسوا بالأسارى من المسلمين، و على البلد امرأة- و لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة- ففتحوا البلد بعد أيام و قتلوا من أهله خلقا لا يعلم عدتهم إلا اللَّه عز و جل، و غنموا منه شيئا كثيرا، و سبوا و أسروا على