البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٤ - صاحب حمص
و الدور حول القلعة. و لما وصل الخبر بما وقع إلى الصالح أيوب تفرق عنه أصحابه و الأمراء خوفا على أهاليهم من الصالح إسماعيل، و بقي الصالح أيوب وحده بمماليكه و جاريته أم ولده خليل، و طمع فيه الفلاحون و الفوارنة، و أرسل الناصر داود صاحب الكرك إليه من أخذه من نابلس مهانا على بغلة بلا مهماز و لا مقدمة، فاعتقله عنده سبعة أشهر، و أرسل العادل من مصر إلى الناصر يطلب منه أخاه الصالح أيوب و يعطيه مائة ألف دينار، فما أجابه إلى ذلك، بل عكس ما طلب منه بإخراج الصالح من سجنه و الإفراج عنه و إطلاقه من الحبس يركب و ينزل، فعند ذلك حاربت الملوك من دمشق و مصر و غيرهما الناصر داود، و برز العادل من الديار المصرية إلى بلبيس قاصدا قتال الناصر داود، فاضطرب الجيش عليه و اختلفت الأمراء، و قيدوا العادل و اعتقلوه في خركاه، و أرسلوا إلى الصالح أيوب يستدعونه إليهم، فامتنع الناصر داود من إرساله حتى اشترط عليه أن يأخذ له دمشق و حمص و حلب بلاد الجزيرة و بلاد ديار بكر و نصف مملكة مصر، و نصف ما في الخزائن من الحواصل و الأموال و الجواهر. قال الصالح أيوب: فأجبت إلى ذلك مكرها، و لا تقدر على ما اشترط جميع ملوك الأرض، و سرنا فأخذته معى خائفا أن تكون هذه الكائنة من المصريين مكيدة، و لم يكن لي به حاجة، و ذكر أنه كان يسكر و يخبط في الأمور و يخالف في الآراء السديدة. فلما وصل الصالح إلى المصريين ملكوه عليهم و دخل الديار المصرية سالما مؤيدا منصورا مظفرا محبورا مسرورا، فأرسل إلى الناصر داود عشرين ألف دينار فردها عليه و لم يقبلها منه. و استقر ملكه بمصر. و أما الملك الجواد فإنه أساء السيرة في سنجار و صادر أهلها و عسفهم، فكاتبوا بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل فقصدهم- و قد خرج الجواد للصيد- فأخذ البلد بغير شيء و صار الجواد إلى غانة، ثم باعها من الخليفة بعد ذلك.
و في ربيع الأول درس القاضي الرفيع عبد العزيز بن عبد الواحد الجيلي بالشامية البرانية.
و في يوم الأربعاء ثالث ربيع الآخر ولى الشيخ عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام بن أبى القاسم السلمي خطابة جامع دمشق، و خطب الصالح إسماعيل لصاحب الروم ببلد دمشق و غيرها، لأنه حالفه على الصالح أيوب. قال أبو شامة: و في حزيران أيام المشمش جاء مطر عظيم هدم كثيرا من الحيطان و غيرها، و كنت يومئذ بالمزة.
و ممن توفى فيها من الأعيان.
صاحب حمص
الملك المجاهد أسد الدين شيركوه بن ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه بن شادى، ولاه إياها الملك الناصر صلاح الدين بعد موت أبيه سنة إحدى و ثمانين و خمسمائة، فمكث فيها سبعا و خمسين سنة، و كان من أحسن الملوك سيرة، طهر بلاده من الخمور و المكوس و المنكرات، و هي في غاية الأمن و العدل، لا يتجاسر أحد من الفرنج و لا العرب يدخل بلاده إلا أهانه غاية الإهانة،