البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٤٨ - ذكر سلطنة الملك المنصور لاجين السلحدارى
الخزانة من بين يديه و العسكر، و قصدوا الديار المصرية، فلما سمع العادل بذلك خرج في الدهليز و ساق جريدة إلى دمشق فدخلها كما ذكرنا، و تراجع إليه بعض مماليكه كزين الدين غلبك و غيره، و لزم شهاب الدين الحنفي القلعة لتدبير المملكة، و درس ابن الشريشى بالشامية البرانية بكرة يوم الخميس مستهل صفر، و تقلبت أمور كثيرة في هذه الأيام، و لزم السلطان القلعة لا يخرج منها، و أطلق كثيرا من المكوس، و كتب بذلك تواقيع و قرئت على الناس، و غلا السعر جدا فبلغت الغرارة مائتين، و اشتد الحال و تفاقم الأمر، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.
ذكر سلطنة الملك المنصور لاجين السلحدارى
و ذلك أنه لما استاق الخزانة و ذهب بالجيوش إلى الديار المصرية دخلها في أبهة عظيمة، و قد اتفق معه جمهور الأمراء الكبار و بايعوه و ملكوه عليهم و جلس على سرير الملك يوم الجمعة عاشر صفر، و دقت بمصر البشائر، و زينت البلد، و خطب له على المنابر، و بالقدس و الخليل، و لقب بالملك المنصور، و كذلك دقت له البشائر بالكرك و نابلس و صفد، و ذهبت إليه طائفة من أمراء دمشق، و قدمت التجريدة من جهة الرحبة صحبة الأمير سيف الدين كجكن فلم يدخلوا البلد بل نزلوا بميدان الحصن، و أظهروا مخالفة العادل و طاعة المنصور لاجين صاحب مصر، و ركب إليه الأمراء طائفة بعد طائفة، و فوجا بعد فوج، فضعف أمر العادل جدا، فلما رأى انحلال أمره قال للامراء: هو خشداشى و أنا و هو شيء واحد، و أنا سامع له مطيع، و أنا أجلس في أي مكان من القلعة أراد، حتى تكاتبوه و تنظروا ما يقول. و جاءت البريدية بالمكاتبات بالأمر بالاحتياط على القلعة و على العادل و بقي الناس في هرج و أقوال ذات ألوان مختلفة، و أبواب القلعة مغلقة، و أبواب البلد سوى باب النصر إلا الخوخة، و العامة حول القلعة قد ازدحموا حتى سقطت طائفة منهم بالخندق فمات بعضهم، و أمسى الناس عشية السبت و قد أعلن باسم الملك المنصور لاجين، و دقت البشائر بذلك بعد العصر و دعا له المؤذنون في سحر ليلة الأحد بجامع دمشق، و تلوا قوله تعالى قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَ تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشاءُ الآية.
و أصبح الناس يوم الأحد فاجتمع القضاة و الأمراء و فيهم غرلو العادلى بدار السعادة فحلفوا للمنصور لاجين، و نودي بذلك في البلد، و أن يفتح الناس دكاكينهم، و اختفى الصاحب شهاب الدين و أخوه زين الدين المحتسب، فعمل الوالي ابن النشابى حسبة البلد، ثم ظهر زين الدين فباشرها على عادته. و كذلك ظهر أخوه شهاب الدين، و سافر نائب البلد غرلو و الأمير جاعان إلى الديار المصرية يعلمان السلطان بوقوع التحليف على ما رسم به، و جاء كتاب السلطان أنه جلس على السرير يوم الجمعة عاشر صفر، و شق القاهرة في سادس عشره في أبهة المملكة، و عليه الخلعة الخليفية