البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩٨ - قاضى القضاة
الشيخ إبراهيم بن سعيد الشاغورى
الموله المعروف بالجيعانة، كان مشهورا بدمشق، و يذكر له أحوال و مكاشفات على ألسنة العوام و من لا يعقل، و لم يكن ممن يحافظ على الصلوات و لا يصوم مع الناس، و مع هذا كان كثير من العوام و غيرهم يعتقدونه. توفى يوم الأحد سابع جمادى الأولى و دفن بتربة المولهين بسفح قاسيون عند الشيخ يوسف القيمينى، و قد توفى الشيخ يوسف قبله بمدة، و كان الشيخ يوسف يسكن إقمين حمام نور الدين الشهيد بالبزوريين، و كان يجلس على النجاسات و القذر، و كان يلبس ثيابا بداوية تجحف على النجاسات في الأزقة، و كان له قبول من الناس و محبة و طاعة، و كان العوام يغالون في محبته و اعتقاده، و كان لا يصلى و لا يتقى نجاسة، و من جاءه زائرا جلس عند باب الأقمين على النجاسة، و كان العوام يذكرون له مكاشفات و كرامات، و كل ذلك خرافات من خرافات العوام و أهل الهذيان كما يعتقدون ذلك في غيره من المجانين و المولهين. و لما مات الشيخ يوسف القميني خرج خلق في جنازته من العوام و غيرهم، و كانت جنازته حافلة بهم، و حمل على أعناق الرجال إلى سفح قاسيون، و بين يديه غوغاء و غوش كثير و تهليل و أمور لا تجوز من فعل العوام، حتى جاءوا به إلى تربة المولهين بقاسيون فدفنوه بها، و قد اعتنى بعض العوام بقبره فعمل عليه حجارة منقوشة و عمل على قبره سقفا مقرنصا بالدهان و أنواعه، و عمل عليه مقصورة و أبوابا، و غالى فيه مغالاة زائدة، و مكث هو و جماعة مجاورون عنده مدة في قراءة و تهليل، و يطبخ لهم الطبيخ فيأكلون و يشربون هناك. و المقصود أن الشيخ إبراهيم الجيعانة لما مات الشيخ يوسف الأقمينى جاء من الشاغور إلى باب الصغير في جماعة من أتباعه، و هم في صراخ و ضجة و غوش كثير، و هم يقولون: أذن لنا في دخول البلد أذن لنا في دخول البلد، يكررون ذلك، فقيل له في ذلك فقال: لي عشرون سنة ما دخلت داخل سور دمشق، لأني كنت كلما أتيت بابا من أبوابها أجد هذا السبع رابضا بالباب فلا أستطيع الدخول خوفا منه، فلما مات أذن لنا في الدخول، و هذا كله ترويج على الطغام و العوام من الهمج الرعاع، الذين هم أتباع كل ناعق. و قيل إن الشيخ يوسف كان يرسل إلى الجيعانة مما يأتيه من الفتوح و اللَّه سبحانه أعلم بأحوال العباد، و إليه المنقلب و المآب، و عليه الحساب.
و قد ذكرنا أنه استشهد في وقعة حمص جماعة من الأمراء منهم الأمير عز الدين أزدمر السلحدارى عن نحو من ستين سنة، و كان من خيار الأمراء و له همة عالية ينبغي أن ينال بها مكانا عاليا في الجنة
قاضى القضاة
تقى الدين أبو عبد اللَّه محمد بن الحسين بن رزين بن موسى العامري الحموي الشافعيّ، ولد سنة ثلاث و ستمائة، و قد سمع الحديث و انتفع بالشيخ تقى الدين بن الصلاح، و أم بدار الحديث مدة،