البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٧ - ثم دخلت سنة سبع عشرة و ستمائة
و الرجال، و كثيرا من النساء و الأطفال، و أتلفوا ما فيه بالنهب إن احتاجوا إليه، و بالحريق إن لم يحتاجوا إليه، حتى أنهم كانوا يجمعون الحرير الكثير الّذي يعجزون عن حمله فيطلقون فيه النار و هم ينظرون إليه، و يخربون المنازل و ما عجزوا عن تخريبه يحرقوه، و أكثر ما يحرقون المساجد و الجوامع، و كانوا يأخذون الأسارى من المسلمين فيقاتلون بهم و يحاصرون بهم، و إن لم ينصحوا في القتال قتلوهم. و قد بسط ابن الأثير في كامله خبرهم في هذه السنة بسطا حسنا مفصلا، و قدم على ذلك كلاما هائلا في تعظيم هذا الخطب العجيب، قال فنقول: هذا فصل يتضمن ذكر الحادثة العظمى و المصيبة الكبرى التي عقمت الليالي و الأيام عن مثلها، عمت الخلائق و خصت المسلمين، فلو قال قائل إن العالم منذ خلق اللَّه آدم و إلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقا، فان التواريخ لم تتضمن ما يقاربها و لا يدانيها، و من أعظم ما يذكرون من الحوادث ما فعل نصر ببني إسرائيل من القتل و تخريب بيت المقدس، و ما البيت المقدس بالنسبة إلى ما خرب هؤلاء الملاعين من البلاد التي كل مدينة منها أضعاف البيت المقدس، و ما بنو إسرائيل بالنسبة لما قتلوا، فان أهل مدينة واحدة ممن قتلوا أكثر من بنى إسرائيل، و لعل الخلائق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم و تفنى الدنيا إلا يأجوج و مأجوج، و أما الدجال فإنه يبقى على من اتبعه و يهلك من خالفه، و هؤلاء لم يبقوا على أحد، بل قتلوا الرجال و النساء و الأطفال، و شقوا بطون الحوامل و قتلوا الأجنة. ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، و لا حول و لا قوة إلا باللَّه العلى العظيم، لهذه الحادثة التي استطار شررها و عم ضررها، و سارت في البلاد كالسحاب استدبرته الريح، فان قوما خرجوا من أطراف الصين فقصدوا بلاد تركستان مثل كاشغر و بلاساغون، ثم منها إلى بلاد ما وراء النهر مثل سمرقند و بخارا و غيرهما، فيملكونها و يفعلون بأهلها ما نذكره، ثم تعبر طائفة منهم إلى خراسان فيفرغون منها ملكا و تخريبا و قتلا و نهبا، ثم يجاوزونها إلى الري و همذان و بلد الجبل و ما فيه من البلاد إلى حد العراق، ثم يقصدون بلاد أذربيجان و أرانية و يخربونه و يقتلون أكثر أهلها و لم ينج منهم إلا الشريد النادر في أقل من سنة، هذا ما لم يسمع بمثله، ثم ساروا إلى دربند شروان فملكوا مدنه و لم يسلم غير قلعته التي بها ملكهم، و عبروا عندها إلى بلد اللان اللكز و من في ذلك الصقع من الأمم المختلفة، فأوسعوهم قتلا و نهبا و تخريبا، ثم قصدوا بلاد قفجاق و هم من أكثر الترك عددا فقتلوا كل من وقف لهم و هرب الباقون إلى الغياض و ملكوا عليهم بلادهم، و سارت طائفة أخرى إلى غزنة و أعمالها و ما يجاورها من بلاد الهند و سجستان و كرمان ففعلوا فيها مثل أفعال هؤلاء و أشد، هذا ما لم يطرق الأسماع مثله، فان الإسكندر الّذي اتفق المؤرخون على أنه ملك الدنيا لم يملكها في سنة واحدة، إنما ملكها في نحو عشر سنين، و لم يقتل أحدا بل رضى من الناس بالطاعة و هؤلاء قد