البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٢ - فتح أنطاكية على يدي السلطان الملك الظاهر (رحمه اللَّه)
و ثلاثون برجا، و عدد شرافاتها أربعة و عشرون ألف شرافة، كان نزوله عليها في مستهل شهر رمضان، فخرج إليه أهلها يطلبون منه الأمان، و شرطوا شروطا له عليهم فأبى أن يجيبهم و ردهم خائبين و صمم على حصارها، ففتحها يوم السبت رابع عشر رمضان بحول اللَّه و قوته و تأييده و نصره، و غنم منها شيئا كثيرا، و أطلق للامراء أموالا جزيلة، و وجد من أسارى المسلمين من الحلبيين فيها خلقا كثيرا، كل هذا في مقدار أربعة أيام. و قد كان الأغريس صاحبها و صاحب طرابلس، من أشد الناس أذية للمسلمين، حين ملك التتار حلب و فر الناس منها، فانتقم اللَّه سبحانه منه بمن أقامه للإسلام ناصرا و للصليب دامغا كاسرا، و للَّه الحمد و المنة، و جاءت البشارة بذلك مع البريدية، فجاوبتها البشائر من القلعة المنصورة، و أرسل أهل بغراس حين سمعوا بقصد السلطان إليهم يطلبون منه أن يبعث إليهم من يتسلمها، فأرسل إليهم أستاذ داره الأمير آقسنقر الفارقانى في ثالث عشر رمضان فتسلمها، و تسلموا حصونا كبيرة و قلاعا كثيرة، و عاد السلطان مؤيدا منصورا، فدخل دمشق في السابع و العشرين من رمضان من هذه السنة في أبهة عظيمة و هيبة هائلة، و قد زينت له البلد و دقت له البشائر فرحا بنصرة الإسلام على الكفرة الطغام، لكنه كان قد عزم على أخذ أراضى كثيرة من القرى و البساتين التي بأيدي ملاكها بزعم أنه قد كانت التتار استحوذوا عليها ثم استنقذها منهم، و قد أفتاه بعض الفقهاء من الحنفية تفريعا على أن الكفار إذا أخذوا شيئا من أموال المسلمين ملكوها، فإذا استرجعت لم ترد إلى أصحابها، و هذه المسألة مشهورة و للناس فيها قولان (أصحهما) قول الجمهور أنه يجب ردها إلى أصحابها لحديث العضباء ناقة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، حين استرجعها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و قد كان أخذها المشركون، استدلوا بهذا و أمثاله على أبى حنيفة، و قال بعض العلماء إذا أخذ الكفار أموال المسلمين و أسلموا و هي في أيديهم استقرت على أملاكهم، و استدل على ذلك
بقوله عليه الصلاة و السلام «و هل ترك لنا عقيل من رباع»
و قد كان استحوذ على أملاك المسلمين الذين هاجروا و أسلم عقيل و هي في يده، فلم تنتزع من يده، و أما إذا انتزعت من أيديهم قبل، فإنها ترد إلى أربابها لحديث العضباء، و المقصود أن الظاهر عقد مجلسا اجتمع فيه القضاة و الفقهاء من سائر المذاهب و تكلموا في ذلك و صمم السلطان على ذلك اعتمادا على ما بيده من الفتاوى، و خاف الناس من غائلة ذلك فتوسط الصاحب فخر الدين بن الوزير بهاء الدين بن احنا، و كان قد درس بالشافعي بعد ابن بنت الأعز، فقال يا خوند أهل البلد يصالحونك عن ذلك كله بألف ألف درهم، تقسط كل سنة مائتي ألف درهم، فأبى إلا أن تكون معجلة بعد أيام، و خرج متوجها إلى الديار المصرية، و قد أجاب إلى تقسيطها، و جاءت البشارة بذلك، و رسم أن يعجلوا من ذلك أربعمائة ألف درهم، و أن تعاد إليه الغلات التي كانوا قد احتاطوا عليها في زمن القسم و الثمار، و كانت هذه الفعلة مما شعثت خواطر الناس على السلطان و لما استقر أمر أبغا على التتار أمر باستمرار وزيره نصير الدين الطوسي، و استناب على بلاد الروم