البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٥ - أبو يوسف يعقوب بن صابر الحراني
أبو يوسف يعقوب بن صابر الحراني
ثم البغدادي المنجنيقى، كان فاضلا في فنه، و شاعرا مطبقا لطيف الشعر حسن المعاني، قد أورد له ابن الساعي قطعة صالحة، و من أحسن ما أورد له قصيدة فيها تعزية عظيمة لجميع الناس و هي:
هل لمن يرتحى البقاء خلود* * * و سوى اللَّه كل شيء يبيد
و الّذي كان من تراب و إن* * * عاش طويلا للتراب يعود
فمصير الأنام طرا إلى ما* * * صار فيه آباؤهم و الجدود
أين حواء أين آدم إذ فاتهم* * * الخلد و الثوى و الخلود؟
أين هابيل أين قابيل إذ ه* * * ذا لهذا معاند و حسود؟
أين نوح و من نجا معه بالفلك* * * و العالمون طرا فقيد
أسلمته الأيام كالطفل للموت* * * و لم يغن عمره الممدود
أين عاد؟ بل أين جنة عاد* * * أم ترى أين صالح و ثمود؟
أين إبراهيم الّذي شاد بيت* * * اللَّه فهو المعظم المقصود
حسدوا يوسفا أخاهم فكادوه* * * و مات الحاسد و المحسود
و سليمان في النبوة و الملك* * * قضى مثل ما قضى داود
فغدوا بعد ما أطيع لذا الخلق* * * و هذا له ألين الحديد
و ابن عمران بعد آياته التسع* * * و شق الخضم فهو صعيد
و المسيح ابن مريم و هو روح اللَّه* * * كادت تقضى عليه اليهود
و قضى سيد النبيين و الهادي* * * إلى الحق أحمد المحمود
و بنوه و آله الطاهرون* * * الزهر صلى عليهم المعبود
و نجوم السماء منتثرات* * * بعد حين و للهواء ركود
و لنار الدنيا التي توقد الصخر* * * خمود و للماء جمود
و كذا للثرى غداة يؤم الناس* * * منها تزلزل و همود
هذه الأمهات نار و ترب* * * و هواء رطب و ماء برود
سوف يفنى كما فنينا فلا* * * يبقى من الخلق والد و وليد
لا الشقي الغوى من نوب الأيام* * * ينجو و لا السعيد الرشيد
و متى سلت المنايا سيوفا* * * فالموالى حصيدها و العبيد