البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٢ - و الضياء عبد الرحمن الغمارى
الكعبة المشرفة، و كانت قد عتقت، فإنها من سنة أربعين لم تجدد لعدم الحج في تلك السنين من ناحية الخليفة، فما سكنت الريح إلا و الكعبة عريانة قد زال عنها شعار السواد، و كان هذا فألا على زوال دولة بنى العباس، و منذرا بما سيقع بعد هذا من كائنة التتار لعنهم اللَّه تعالى. فاستأذن نائب اليمن عمر بن سول شيخ الحرم العفيف بن منعة في أن يكسو الكعبة، فقال لا يكون هذا إلا من مال الخليفة، و لم يكن عنده مال فافترض ثلاثمائة دينار و اشترى ثياب قطن و صبغها سوادا و ركب عليها طرازاتها العتيقة و كسى بها الكعبة و مكثت الكعبة ليس عليها كسوة إحدى و عشرين ليلة. و فيها فتحت دار الكتب التي أنشأها الوزير مؤيد الدين محمد بن أحمد العلقميّ بدار الوزارة، و كانت في نهاية الحسن، و وضع فيها من الكتب النفيسة و النافعة شيء كثير، و امتدحها الشعراء بأبيات و قصائد حسانا و في أواخر ذي الحجة طهر الخليفة المستعصم باللَّه ولديه الأميرين أبا العباس أحمد، و أبا الفضائل عبد الرحمن، و عملت ولائم فيها كل أفراح و مسرة، لا يسمع بمثلها من أزمان متطاولة، و كان ذلك وداعا لمسرات بغداد و أهلها في ذلك الزمان.
و فيها احتاط الناصر داود صاحب الكرك على الأمير عماد الدين داود بن موسك بن حسكو، و كان من خيار الأمراء الأجواد، و اصطفى أمواله كلها و سجنه عنده في الكرك، فشفع فيه فخر الدين ابن الشيخ لما كان محاصره في الكرك فأطلقه، فخرجت في حلقه جراحة فبطها فمات و دفن عند قبر جعفر و الشهداء بحوته (رحمه اللَّه تعالى).
و فيها توفى ملك الخوارزمية قبلا بركات خان لما كسرت أصحابه عند بحيرة حمص كما تقدم ذكره
و فيها توفى الملك المنصور
ناصر الدين إبراهيم بن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه صاحب حمص بدمشق، بعد أن سلم بعلبكّ للصالح أيوب، و نقل إلى حمص، و كان نزوله أولا ببستان سامة، فلما مرض حمل إلى الدهشة بستان الأشرف بالنيرب فمات فيه.
و فيها توفى. الصائن محمد بن حسان
ابن رافع العامري الخطيب، و كان كثير السماع مسندا، و كانت وفاته بقصر حجاج (رحمه اللَّه تعالى).
و فيها توفى الفقيه العلامة محمد بن محمود بن عبد المنعم
المرامى الحنبلي و كان فاضلا ذا فنون، أثنى عليه أبو شامة. قال: صحبته قديما و لم يترك بعده بدمشق مثله في الحنابلة، و صلى عليه بجامع دمشق و دفن بسفح قاسيون (رحمه اللَّه).
و الضياء عبد الرحمن الغمارى
المالكي الّذي ولى وظائف الشيخ أبى عمرو ابن الحاجب حين خرج من دمشق سنة ثمان