البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٠ - أبو الحسن على بن أبى على
الأمراء و الوزراء و القضاة و الفقهاء و الصوفية و الشعراء، و لم يتخلف أحد من هؤلاء، و عمل سماط عظيم بها أكل منه الحاضرون، و حمل منه إلى سائر دروب بغداد من بيوتات الخواص و العوام، و خلع على جميع المدرسين بها و الحاضرين فيها، و على جميع الدولة و الفقهاء و المعيدين، و كان يوما مشهودا، و أنشدت الشعراء الخليفة المدائح الرائقة و القصائد الفائقة، و قد ذكر ذلك ابن الساعي في تاريخه مطولا مبسوطا شافيا كافيا، و قدر لتدريس الشافعية بها الامام محيي الدين أبو عبد اللَّه بن فضلان، و للحنفية الامام العلامة رشيد الدين أبو حفص عمر بن محمد الفرغاني، و للحنابلة الامام العالم محيي الدين يوسف بن الشيخ أبى الفرج ابن الجوزي، و درس عنه يومئذ ابنه عبد الرحمن نيابة لغيبته في بعض الرسالات إلى الملوك، و درس للمالكية يومئذ الشيخ الصالح العالم أبو الحسن المغربي المالكي نيابة أيضا، حتى يعين شيخ غيره، و وقفت خزائن كتب لم يسمع بمثلها في كثرتها و حسن نسخها و جودة الكتب الموقوفة بها. و كان المتولي لعمارة هذه المدرسة مؤيد الدين أبو طالب محمد بن العلقميّ الّذي وزر بعد ذلك، و قد كان إذ ذاك أستاذ دار الخلافة، و خلع عليه يومئذ و على الوزير نصير الدين. ثم عزل مدرس الشافعية في رابع عشر ذي القعدة بقاضي القضاة أبى المعالي عبد الرحمن بن مقبل، مضافا إلى ما بيده من القضاء، و ذلك بعد وفاة محيي الدين بن فضلان، و قد ولى القضاء مدة و درس بالنظاميّة و غيرها، ثم عزل ثم رضى عنه ثم درس آخر وقت بالمستنصرية كما ذكرنا، فلما توفى وليها بعده ابن مقبل (رحمهم اللَّه تعالى).
و فيها عمر الأشرف مسجد جراح ظاهر باب الصغير. و فيها قدم رسول الأنبرور ملك الفرنج إلى الأشرف و معه هدايا منها دبّ أبيض شعره مثل شعر الأسد، و ذكروا أنه ينزل إلى البحر فيخرج السمك فيأكله. و فيها طاووس أبيض أيضا. و فيها كملت عمارة القيسارية التي هي قبل النحاسين، و حول إليها سوق الصاغة و شغر سوق اللؤلؤ الّذي كان فيه الصاغة العتيقة عند الحدادين.
و فيها جددت الدكاكين التي بالزيادة. قلت و قد جددت شرقى هذه الصاغة الجديدة قيساريتان في زماننا، و سكنها الصياغ و تجار الذهب، و هما حسنتان و جميعهما وقف الجامع المعمور.
و ممن توفى في هذه السنة من الأعيان.
أبو الحسن على بن أبى على
ابن محمد بن سالم الثعلبي، الشيخ سيف الدين الآمدي، ثم الحموي ثم الدمشقيّ، صاحب المصنفات في الأصلين و غير ذلك، من ذلك أبكار الأفكار في الكلام، و دقائق الحقائق في الحكمة، و أحكام الأحكام في أصول الفقه، و كان حنبلي المذهب فصار شافعيا أصوليا منطقيا جدليا خلافيا، و كان حسن الأخلاق سليم الصدر كثير البكاء رقيق القلب، و قد تكلموا فيه بأشياء اللَّه أعلم