البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩٥ - وقعة حمص
إلى الملك الكامل سنقر الأشقر يطلبه إليه نجدة فجاء إلى خدمته فأكرمه السلطان و احترمه و رتب له الاقامات، و تكاملت الجيوش كلها في صحبة الملك المنصور عازمين على لقاء العدو لا محالة مخلصين في ذلك، و اجتمع الناس بعد خروج الملك في جامع دمشق و وضعوا المصحف العثماني بين أيديهم، و جعلوا يبتهلون إلى اللَّه تعالى في نصرة الإسلام و أهله على الأعداء، و خرجوا كذلك و المصحف على رءوسهم إلى المصلى يدعون و يبتهلون و يبكون، و أقبلت التتار قليلا قليلا فلما وصلوا حماة أحرقوا بستان الملك و قصره و ما هنالك من المساكن، و السلطان المنصور مخيم بحمص في عساكر من الأتراك و التركمان و غيرهم جحفل كثير جدا، و أقبلت التتار في مائة ألف مقاتل أو يزيدون، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، و لا حول و لا قوة إلا باللَّه.
وقعة حمص
لما كان يوم الخميس رابع عشر رجب التقى الجمعان و تواجه الخصمان عند طلوع الشمس و عسكر التتر في مائة ألف فارس، و عسكر المسلمين على النصف من ذلك أو يزيد قليلا، و الجميع فيما بين مشهد خالد بن الوليد إلى الرستن، فاقتتلوا قتالا عظيما لم ير مثله من أعصار متطاولة، فاستظهر التتار أول النهار، و كسروا الميسرة و اضطربت الميمنة أيضا و باللَّه المستعان. و كسر جناح القلب الأيسر و ثبت السلطان ثباتا عظيما جدا في جماعة قليلة، و قد انهزم كثير من عسكر المسلمين، و التتار في آثارهم حتى وصلوا وراءهم إلى بحيرة حمص و وصلوا حمص و هي مغلقة الأبواب، فقتلوا خلقا من العامة و غيرهم، و أشرف المسلمون على خطة عظيمة من الهلاك، ثم إن أعيان الأمراء من الشجعان و الفرسان تآمروا فيما بينهم مثل سنقر الأشقر و بيسرى و طيبرس الوزيري و بدر الدين أمير سلاح و ايتمش السعدي و حسام الدين لاجين و حسام الدين طرنطاى و الدويدارى و أمثالهم، لما رأوا ثبات السلطان ردوا إلى السلطان و حملوا حملات متعددة صادقة، و لم يزالو يتابعون الحملة بعد الحملة حتى كسر اللَّه بحوله و قوته التتر، و جرح منكوتمر، و جاءهم الأمير عيسى بن مهنا من ناحية العرض فصدم التتر فأضربت الجيوش لصدمته، و تمت الهزيمة و للَّه الحمد، و قتلوا من التتار مقتلة عظيمة جدا، و رجعت من التتار الذين اتبعوا المنهزمين من المسلمين فوجدوا أصحابهم قد كسروا، و العساكر في آثارهم يقتلون و يأسرون، و السلطان ثابت في مكانه تحت السناجق، و الكوسات تضرب خلفه و ما معه إلا ألف فارس، فطمعوا فيه فقاتلوه فثبت لهم ثباتا عظيما فانهزموا من بين يديه فلحقهم فقتل أكثرهم، و كان ذلك تمام النصر، و كان انهزام التتار قبل الغروب، و افترقوا فرقتين أخذت فرقة منهم إلى ناحية سلمية و البرية، و الأخرى إلى ناحية حلب و الفرات، فأرسل السلطان في آثارهم من يتبعهم و جاءت البطاقة بالبشارة بما وقع من النصر إلى دمشق يوم الجمعة خامس عشر رجب، فدقت البشائر و زينت