البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦ - ثم دخلت سنة سبع و تسعين و خمسمائة
بوابنا الليل و قلنا له* * * إن غبت عنا هجم الصبح
و أرسلت جارية من جواري الملك العزيز إلى الملك العزيز زرا من ذهب مغلف بعنبر أسود، فسأل الملك الفاضل عن معنى ما أرادت بإرساله فأنشأ يقول:
أهدت لك العنبر في وسطه* * * زر من التبر رقيق اللحام
فالزر في العنبر معناهما* * * زر هكذا مختفيا في الظلام
قال ابن خلكان: و قد اختلف في لقبه فقيل محيي الدين و قيل مجير الدين، و حكى عن عمارة اليمنى أنه كان يذكر جميل و أن العادل بل الصالح هو الّذي استقدمه من الاسكندرية، و قد كان معدودا في حسناته. و قد بسط ابن خلكان ترجمته بنحو ما ذكرنا، و في هذه زيادة كثيرة و اللَّه أعلم
ثم دخلت سنة سبع و تسعين و خمسمائة
فيها اشتد الغلاء بأرض مصر جدا، فهلك خلق كثير جدا من الفقراء و الأغنياء، ثم أعقبه فناء عظيم، حتى حكى الشيخ أبو شامة في الذيل أن العادل كفن من ماله في مدة شهر من هذه السنة نحوا من مائتي ألف، و عشرين ألف ميت، و أكلت الكلاب و الميتات فيها بمصر، و أكل من الصغار و الأطفال خلق كثير، يشوى الصغير والداه و يأكلانه، و كثر هذا في الناس جدا حتى صار لا ينكر بينهم، فلما فرغت الأطفال و الميتات غلب القوى الضعيف فذبحه و أكله، و كان الرجل يحتال على الفقير فيأتى به ليطعمه أو ليعطيه شيئا، ثم يذبحه و يأكله، و كان أحدهم يذبح امرأته و يأكلها و شاع هذا بينهم بلا إنكار و لا شكوى، بل يعذر بعضهم بعضا، و وجد عند بعضهم أربعمائة رأس و هلك كثير من الأطباء الذين يستدعون إلى المرضى، فكانوا يذبحون و يؤكلون، كان الرجل يستدعى الطبيب ثم يذبحه و يأكله، و قد استدعى رجل طبيبا حاذقا و كان الرجل موسرا من أهل المال، فذهب الطبيب معه على وجل و خوف، فجعل الرجل يتصدق على من لقيه في الطريق و يذكر اللَّه و يسبحه، و يكثر من ذلك، فارتاب به الطبيب و تخيل منه، و مع هذا حمله الطمع على الاستمرار معه حتى دخل داره، فإذا هي خربة فارتاب الطبيب أيضا فخرج صاحبه فقال له: و مع هذا البطء جئت لنا بصيد، فلما سمعها الطبيب هرب فخرجا خلفه سراعا فما خلص إلا بعد جهد و شر.
و فيها وقع وباء شديد ببلاد عنزة بين الحجاز و اليمن، و كانوا عشرين قرية، فبادت منها ثماني عشرة لم يبق فيها ديار و لا نافخ نار، و بقيت أنعامهم و أموالهم لا قانى لها، و لا يستطيع أحد أن يسكن تلك القرى و لا يدخلها، بل كان من اقترب إلى شيء من هذه القرى هلك من ساعته، نعوذ باللَّه من بأس اللَّه و عذابه، و غضبه و عقابه، أما القريتان الباقيتان فإنهما لم يمت منهما أحد و لا عندهم شعور بما جرى على من حولهم، بل هم على حالهم لم يفقد منهم أحد فسبحان الحكيم العليم.